الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في وداع زياد...

في وداع زياد الرحباني شعرت أنّ تاريخاً قد ووري، استحال رماداً بعدما «شرقط» إبداعاً، وحفر عميقاً في أرض الواقع، ليستخرج منها صورة واقعية لوطن متهالك سحقته «شعوبه» المتناحرة – المتنافرة التي تستظل علماً تعلّقت به بحكم العادة، وتلهج بنشيد ألفت كلماته واستكانت للحنه فحسب.

لم نكن «كلنا للوطن». زياد الرحباني صاغ من الوجع تاجاً للمهمّشين، ومن المعاناة صولجاناً للمعذبين، إختصرت حنجرته حناجرهم، فكان صرختهم، واجتمعت أناملهم في أنامله فعزف على مفاتيح «البيانو» مقطوعة الوطن المنكوب بأبنائه الذين أدركهم خدر «المعليشية» و«يصطفلو».

كان زياد «كافراً»، لكنه لم يكن كذلك لولا الجوع. وكان… كان ثائراً لا حباً بالثورة وسعياً وراءها، بل لأنّ كل شيء في لبنانه يدعو إلى الثورة. عمل في فنه على تحطيم صورة «لبنان الرحابنة» وصورة «لبنان سعيد عقل» الذي كان سنداً لمدرستهم، لا رفضاً لهذه الصورة، بل كان يرى نقيضها في يوميات اللبنانيين وسلوكياتهم. شيئيات المادة، وقشور الحداثة البعيدة من أصالة التراث دمّرت مسرح القرية، حقولها، أزقتها، وخطفت براءة الطفولة، وفورة الشباب، وعنفوان الرجال، ولم يتبق سوى الحلم. سخرية زياد من نموذج «الوطن الرحباني» لم يكن بدافع النفي والإنكار، إنما لبقائه وطناً هيولياً لا وجود له على أرض الواقع. هذا «الكافر» أعطى الكنيسة الحاناً تصل الأرض بالسماء، تمجّد عظمة الخالق بموسيقى علوية تحمل المستمع إلى دنى لا يحوطها خيال، ولا يدانيها جمال: «كيرياليسون»، «المجد لك أيها المسيح». هو مجد المسيح الذي قرأ على قسمات وجهه علامات الإنسان المستضعف، المعذب، المقهور، الذي يختلط دمه بعرقه، كما يختلط الدم والماء في تقديس القربان، خبز الحياة.

 

إنّ الغائص في أعماق شخصية زياد يتبين له أنّه كان وفياً لمبادئه وقناعاته ولم يبدّل تبديلاً، ولو تنوعت أساليب التعبير عنها في مسرحياته، ألحانه وأغانيه. لكنه كان كثير الوفاء لفيروز الأُم، فيروز الأُسطورة، فيروز الألم الساكت على ذكريات وجروح، المبحرة في الوجع الذي يتبركن في داخلها من دون أن تحني الرأس أو ترفع بيارق الاستسلام. «وحدن» فيروز وزياد غزلا من حرير الدمع «عباءة» الأمل المنتظر على قارعة رصيف لبنان المتعثر في زمن الانكسارات. مضى زياد بقرار منه… بملء وعيه خط السطر الأخير في كتاب الرحيل الآتي من نداءات روح تريد أن تتحرّر من كفنها الجسماني، لتنطلق بعيداً… وضع أصبعه في جروح كثيرة، تعبت هذه الإصبع ولم يتوقف النزف… برم بدنياه… ألقى عصاه وخلد إلى رقاد أراده أبدياً هذه المرّة.

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...