المرحلة الراهنة حاسمة للجميع. كل طرف يعرف أن خسارته لن تكون عابرة، بل مكلفة إلى حدّ الهلاك. نتنياهو، إن سقط، فمصيره السجن. أما في لبنان، فالمعادلة أكثر قسوة: شتاء قادم وبيوت مهدّمة وعائلات مشرّدة، وناس تبحث عن سقف يحميها من البرد قبل أن تبحث عن أي شيء آخر.
الحروب المشتعلة حولنا ترسم صورة قاتمة للعالم: أوكرانيا تنزف فوق مئتي ألف قتيل، وروسيا تحصد خسائر بشرية أعظم. غزة تعود لتُضرب، فتسقط مبادرات السلام الواحدة تلو الأخرى واليمن تُقصف. بالأمس، أعلنت الأمم المتحدة وخبراء دوليون رسميًا تفشّي حالة المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة، ما يضيف مأساة جديدة إلى مشهد الحرب، ويكشف أن الكارثة لم تعد تقتصر على القصف والدمار، بل امتدت لتنهش حق الإنسان في الحياة نفسها. إنها صورة أخرى لفشل المجتمع الدولي في وقف المأساة، وترك الشعوب تدفع الثمن الأكبر.
السودان مقسّم وليبيا ممزقة بين شيوخ العشائر والعراق واقع تحت سيطرة الخارج. أي مستقبل للبشرية إذا كان طريقها محفوفاً بالجثث والأنقاض؟
في لبنان، السؤال الأصعب يفرض نفسه: ما البديل إذا لم يُسلَّم السلاح؟ المجتمع الدولي يربط أي إعادة إعمار بوقف العمليات العسكرية، وإلا فلن تكون هناك مساعدات ولا استقرار. وإذا بقيت الحرب، فالبلاد ذاهبة إلى دمار إضافي فوق ما تحمله أصلاً من أزمات اجتماعية خانقة.
وفي قلب هذه المعادلة، يترقّب اللبنانيون عودة الموفد الأميركي توم برّاك، وما سيحمله من أفكار بشأن تثبيت اتفاق وقف الأعمال العدائية كما أنَّ الردّ الإسرائيلي على الموقف اللبناني من الورقة المطروحة سيكون بدوره مؤشراً على المرحلة المقبلة، فيما يبقى الحسم الأممي والدولي متوقفاً على مسألة التمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل”. كل ذلك يجعل من الجنوب اللبناني ساحة اختبار دقيقة، حيث يتقاطع القرار الدولي مع مصير الاستقرار الداخلي.
لقد اعتاد اللبناني أن ينهض من تحت الركام، لكن هذه المرة مختلفة. فالجراح لم تعد مادية فقط، بل طالت الثقة بين المواطن ودولته، بين الفرد ومستقبله. الناس تتساءل: ما الجدوى من إعادة بناء منزل إذا كانت الحرب جاهزة لتهدمه من جديد؟ وما الفائدة من تعليم جيل كامل إذا كان مقدَّراً له أن يهاجر أو يتيتم أو يعيش بلا أمان؟
لبنان اليوم على مفترق طرق: إما أن يسلم نفسه لموجة الحروب التي تلتهم المنطقة، وإما أن يختار الحياة، فيكون مثالا على أن الأوطان تُبنى بالتضامن لا بالدمار.


