من بيروت التي تعوّدت أن تتنفس على حافة الخطر، يعود السؤال ذاته في وجه العاصفة الجديدة: إلى أين نحن ماضون؟ نحو حربٍ أخرى تُستعاد فيها المأساة فوق الركام نفسه، أم نحو سلامٍ يتقدّم بخطواتٍ متردّدة وسط ألغام السياسة والدماء؟
تضغط إسرائيل باتجاه مفاوضات مباشرة مع لبنان، وكأنها تتجاهل أن الندوب لم تلتئم بعد، وأن الثقة بين خصمٍ ومقاومٍ لم تُكتب يوماً على الورق، بل رُسمت بالدم في الميدان. في المقابل، يتمسّك لبنان بمبدأ التفاوض غير المباشر عبر اللجنة الخماسية، إدراكاً منه أن أي اتصال مباشر مع إسرائيل اليوم أثقل من أن يتحمّله الداخل اللبناني المتصدّع، وأن المناخ الإقليمي لا يحتمل مغامرات سياسية قد تُفسَّر كتنازلات.
وبينما تُرفع راية المفاوضات في العلن، تتواصل الغارات في الخفاء والضوء معاً. فإسرائيل، التي أعلنت اليوم استهداف معسكرٍ وموقعٍ لتصنيع صواريخ دقيقة في البقاع والشمال، لا ترسل فقط رسائل نارية، بل إشارات سياسية واضحة. هي تقول للبنانيين: “لن ننتظر، ولن نسمح لحزب الله بتغيير قواعد اللعبة.” أما الداخل اللبناني، فيبقى عالقاً بين هاجس حربٍ جديدة قد تطيح بما تبقّى، وإنهاكٍ من سلامٍ مقيّد يبدو كهدنةٍ بلا كرامة.
الناس هنا يقرأون العلامات جيداً. يعلمون أن كل اشتعالٍ في الجنوب، وكل قصفٍ في البقاع، ليس حادثةً معزولة، بل مؤشرٌ لاحتمال الانفجار. ويعرفون في المقابل أن كل كلامٍ عن “سلام” لا يقوم على الندّية، وهو ليس سوى استراحة قصيرة قبل مواجهةٍ أخرى.
اليوم، يقف لبنان على خيطٍ رفيع بين الحرب والسلام، كمن يمشي فوق هاويةٍ بلا نهاية. الجيش يترصّد، الدبلوماسية تناور، والمواطن يعدّ خساراته اليومية: الكهرباء، العملة، الطمأنينة. ومع ذلك، يظلّ في عمق الوجدان اللبناني إحساسٌ قديم لا يتبدّل، أن مصير هذا البلد أن يعيش بين نيران الآخرين، باحثاً عن حيادٍ يبدو مستحيلاً في زمنٍ لا يعرف الحياد.
ما بين القصف والدبلوماسية، بين المفاوضات والتهديدات، يُكتب فصلٌ جديد من حكايةٍ لم تنتهِ بعد. لا حرب مؤكدة ولا سلام مكتمل، بل زمنٌ رماديّ تتداخل فيه النيات والمصالح. وقد يكون لبنان مرة أخرى مختبراً لما سيأتي في المنطقة، أو ضحية له. وحده الوقت سيكشف إن كانت هذه الموجة مقدّمةً لعاصفة… أم بداية انحسارها.


