الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إلى أين يتّجه لبنان؟ بين ضغط الحرب وإغراء السلام

كارولين ياغي

من بيروت التي تعوّدت أن تتنفس على حافة الخطر، يعود السؤال ذاته في وجه العاصفة الجديدة: إلى أين نحن ماضون؟ نحو حربٍ أخرى تُستعاد فيها المأساة فوق الركام نفسه، أم نحو سلامٍ يتقدّم بخطواتٍ متردّدة وسط ألغام السياسة والدماء؟
تضغط إسرائيل باتجاه مفاوضات مباشرة مع لبنان، وكأنها تتجاهل أن الندوب لم تلتئم بعد، وأن الثقة بين خصمٍ ومقاومٍ لم تُكتب يوماً على الورق، بل رُسمت بالدم في الميدان. في المقابل، يتمسّك لبنان بمبدأ التفاوض غير المباشر عبر اللجنة الخماسية، إدراكاً منه أن أي اتصال مباشر مع إسرائيل اليوم أثقل من أن يتحمّله الداخل اللبناني المتصدّع، وأن المناخ الإقليمي لا يحتمل مغامرات سياسية قد تُفسَّر كتنازلات.
وبينما تُرفع راية المفاوضات في العلن، تتواصل الغارات في الخفاء والضوء معاً. فإسرائيل، التي أعلنت اليوم استهداف معسكرٍ وموقعٍ لتصنيع صواريخ دقيقة في البقاع والشمال، لا ترسل فقط رسائل نارية، بل إشارات سياسية واضحة. هي تقول للبنانيين: “لن ننتظر، ولن نسمح لحزب الله بتغيير قواعد اللعبة.” أما الداخل اللبناني، فيبقى عالقاً بين هاجس حربٍ جديدة قد تطيح بما تبقّى، وإنهاكٍ من سلامٍ مقيّد يبدو كهدنةٍ بلا كرامة.
الناس هنا يقرأون العلامات جيداً. يعلمون أن كل اشتعالٍ في الجنوب، وكل قصفٍ في البقاع، ليس حادثةً معزولة، بل مؤشرٌ لاحتمال الانفجار. ويعرفون في المقابل أن كل كلامٍ عن “سلام” لا يقوم على الندّية، وهو ليس سوى استراحة قصيرة قبل مواجهةٍ أخرى.
اليوم، يقف لبنان على خيطٍ رفيع بين الحرب والسلام، كمن يمشي فوق هاويةٍ بلا نهاية. الجيش يترصّد، الدبلوماسية تناور، والمواطن يعدّ خساراته اليومية: الكهرباء، العملة، الطمأنينة. ومع ذلك، يظلّ في عمق الوجدان اللبناني إحساسٌ قديم لا يتبدّل، أن مصير هذا البلد أن يعيش بين نيران الآخرين، باحثاً عن حيادٍ يبدو مستحيلاً في زمنٍ لا يعرف الحياد.
ما بين القصف والدبلوماسية، بين المفاوضات والتهديدات، يُكتب فصلٌ جديد من حكايةٍ لم تنتهِ بعد. لا حرب مؤكدة ولا سلام مكتمل، بل زمنٌ رماديّ تتداخل فيه النيات والمصالح. وقد يكون لبنان مرة أخرى مختبراً لما سيأتي في المنطقة، أو ضحية له. وحده الوقت سيكشف إن كانت هذه الموجة مقدّمةً لعاصفة… أم بداية انحسارها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...