السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الطائفة القاديانية والقدس: حين يتحوّل الانحراف العقدي إلى خدمة للاحتلال

 

لم تظهر الطائفة القاديانية، التي تُعرف اليوم باسم الجماعة الإسلامية الأحمدية، بوصفها حركة دينية عفوية نابعة من سياق إسلامي طبيعي، بل نشأت في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تزامنت مع إحكام الاستعمار البريطاني قبضته على شبه القارة الهندية، وسعيه الدؤوب إلى كسر روح المقاومة في المجتمعات الإسلامية، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تفكيك الوعي الديني من الداخل. في هذا السياق بالذات، برزت القاديانية بوصفها مشروعًا دينيًا جديدًا يعيد تعريف الإسلام، لا باعتباره دينًا يحمل موقفًا من الظلم والاحتلال، بل باعتباره منظومة روحية منزوعـة الصراع، محايدة تجاه الاستبداد، بل مهادِنة له.

اعتمدت القاديانية منذ بداياتها على إعادة صياغة المفاهيم المركزية في الإسلام، وفي مقدمتها النبوة والجهاد والولاء والبراء، فأنكرت ختم النبوة عمليًا عبر ادعاء مؤسسها مرزا غلام أحمد مقامًا نبويًا جديدًا، وجرّدت الجهاد من مضمونه الشرعي، وحوّلته من فريضة مقاومة إلى مفهوم أخلاقي داخلي لا علاقة له بالواقع السياسي أو الاحتلال العسكري. هذا التحول لم يكن تفصيلاً عقديًا محدودًا، بل شكّل الأساس الفكري الذي جعل الطائفة قابلة للتوظيف السياسي، ومتناغمة مع مصالح القوى المهيمنة.

من هنا يمكن فهم السبب العميق الذي جعل القاديانية تحظى تاريخيًا برعاية الاستعمار البريطاني، ثم لاحقًا بقدر من القبول والرضا من قبل الكيان الصهيوني. فإسرائيل، بوصفها كيانًا قائمًا على الاحتلال، لا تخشى التدين الشكلي، لكنها ترى في أي إسلام يحمل وعيًا سياسيًا أو ارتباطًا بالأرض والمقدسات تهديدًا مباشرًا لشرعيتها. ولذلك فإنها تميل إلى احتضان أو التساهل مع كل تيار ديني يسهم في تفريغ الإسلام من مضمونه المقاوم، ويحوّل الصراع من قضية عقدية حضارية إلى شأن تاريخي أو إداري قابل للتسوية.

في هذا الإطار، لم يكن موقف القاديانية من المسجد الأقصى حادثًا عارضًا، بل نتيجة منطقية لمسار فكري متكامل. فربط الإسلام بالقدس، والاعتراف بقدسية المسجد الأقصى، يعني الإقرار بأن الصراع مع الاحتلال ليس مجرد نزاع سياسي، بل قضية دينية تمسّ جوهر العقيدة والهوية. وهذا ما لا يمكن للفكر القادياني قبوله، لأنه يهدم البنية التي قام عليها منذ نشأته، ويعيد إحياء مفهوم الجهاد الذي سعى إلى إلغائه. لذلك لجأت القاديانية إلى نزع القدسية عن المسجد الأقصى، والقول إن المقصود به في القرآن ليس المسجد المعروف في بيت المقدس، بل موضع آخر، وهو طرح ينسجم تمامًا مع الحاجة الصهيونية إلى تفريغ القدس من بعدها الديني الإسلامي.

إن رضا الكيان الصهيوني عن القاديانية لا يُفهم بوصفه اعترافًا دينيًا أو قناعة فكرية، بل بوصفه انتفاعًا وظيفيًا. فالقاديانية، من حيث تدري أو لا تدري، تسهم في إنتاج نموذج من التدين لا يصطدم مع الاحتلال، ولا يرى في فلسطين قضية مركزية، ولا يعتبر الدفاع عن المقدسات واجبًا شرعيًا. وهذا النموذج هو ما تبحث عنه إسرائيل في محيطها، لأنه يخفف من حدّة الصراع، ويحوّله من صراع وجود إلى خلاف يمكن احتواؤه.

وقد تجلّى هذا الرضا في السماح لنشاط الطائفة داخل الأراضي المحتلة، وفي التغاضي عن خطابها، ما دام لا يمسّ شرعية الاحتلال ولا يحرّض على مقاومته. وكما استفاد الاستعمار البريطاني من القاديانية في تحييد المسلمين في الهند، وجد الكيان الصهيوني فيها نموذجًا دينيًا غير مزعج، بل نافعًا في سياق معركته على الوعي.

من هنا، فإن دراسة القاديانية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العقدي فحسب، بل يجب أن تُفهم ضمن شبكة المصالح السياسية والاستعمارية التي أحاطت بها منذ ولادتها. فالمسألة ليست اختلافًا مذهبيًا عابرًا، بل مشروعًا لتفكيك الدين من الداخل، ونزع قدرته على إنتاج موقف، وتحويله إلى طقوس روحية معزولة عن قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...