الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الطائفة القاديانية والقدس: حين يتحوّل الانحراف العقدي إلى خدمة للاحتلال

 

لم تظهر الطائفة القاديانية، التي تُعرف اليوم باسم الجماعة الإسلامية الأحمدية، بوصفها حركة دينية عفوية نابعة من سياق إسلامي طبيعي، بل نشأت في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تزامنت مع إحكام الاستعمار البريطاني قبضته على شبه القارة الهندية، وسعيه الدؤوب إلى كسر روح المقاومة في المجتمعات الإسلامية، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تفكيك الوعي الديني من الداخل. في هذا السياق بالذات، برزت القاديانية بوصفها مشروعًا دينيًا جديدًا يعيد تعريف الإسلام، لا باعتباره دينًا يحمل موقفًا من الظلم والاحتلال، بل باعتباره منظومة روحية منزوعـة الصراع، محايدة تجاه الاستبداد، بل مهادِنة له.

اعتمدت القاديانية منذ بداياتها على إعادة صياغة المفاهيم المركزية في الإسلام، وفي مقدمتها النبوة والجهاد والولاء والبراء، فأنكرت ختم النبوة عمليًا عبر ادعاء مؤسسها مرزا غلام أحمد مقامًا نبويًا جديدًا، وجرّدت الجهاد من مضمونه الشرعي، وحوّلته من فريضة مقاومة إلى مفهوم أخلاقي داخلي لا علاقة له بالواقع السياسي أو الاحتلال العسكري. هذا التحول لم يكن تفصيلاً عقديًا محدودًا، بل شكّل الأساس الفكري الذي جعل الطائفة قابلة للتوظيف السياسي، ومتناغمة مع مصالح القوى المهيمنة.

من هنا يمكن فهم السبب العميق الذي جعل القاديانية تحظى تاريخيًا برعاية الاستعمار البريطاني، ثم لاحقًا بقدر من القبول والرضا من قبل الكيان الصهيوني. فإسرائيل، بوصفها كيانًا قائمًا على الاحتلال، لا تخشى التدين الشكلي، لكنها ترى في أي إسلام يحمل وعيًا سياسيًا أو ارتباطًا بالأرض والمقدسات تهديدًا مباشرًا لشرعيتها. ولذلك فإنها تميل إلى احتضان أو التساهل مع كل تيار ديني يسهم في تفريغ الإسلام من مضمونه المقاوم، ويحوّل الصراع من قضية عقدية حضارية إلى شأن تاريخي أو إداري قابل للتسوية.

في هذا الإطار، لم يكن موقف القاديانية من المسجد الأقصى حادثًا عارضًا، بل نتيجة منطقية لمسار فكري متكامل. فربط الإسلام بالقدس، والاعتراف بقدسية المسجد الأقصى، يعني الإقرار بأن الصراع مع الاحتلال ليس مجرد نزاع سياسي، بل قضية دينية تمسّ جوهر العقيدة والهوية. وهذا ما لا يمكن للفكر القادياني قبوله، لأنه يهدم البنية التي قام عليها منذ نشأته، ويعيد إحياء مفهوم الجهاد الذي سعى إلى إلغائه. لذلك لجأت القاديانية إلى نزع القدسية عن المسجد الأقصى، والقول إن المقصود به في القرآن ليس المسجد المعروف في بيت المقدس، بل موضع آخر، وهو طرح ينسجم تمامًا مع الحاجة الصهيونية إلى تفريغ القدس من بعدها الديني الإسلامي.

إن رضا الكيان الصهيوني عن القاديانية لا يُفهم بوصفه اعترافًا دينيًا أو قناعة فكرية، بل بوصفه انتفاعًا وظيفيًا. فالقاديانية، من حيث تدري أو لا تدري، تسهم في إنتاج نموذج من التدين لا يصطدم مع الاحتلال، ولا يرى في فلسطين قضية مركزية، ولا يعتبر الدفاع عن المقدسات واجبًا شرعيًا. وهذا النموذج هو ما تبحث عنه إسرائيل في محيطها، لأنه يخفف من حدّة الصراع، ويحوّله من صراع وجود إلى خلاف يمكن احتواؤه.

وقد تجلّى هذا الرضا في السماح لنشاط الطائفة داخل الأراضي المحتلة، وفي التغاضي عن خطابها، ما دام لا يمسّ شرعية الاحتلال ولا يحرّض على مقاومته. وكما استفاد الاستعمار البريطاني من القاديانية في تحييد المسلمين في الهند، وجد الكيان الصهيوني فيها نموذجًا دينيًا غير مزعج، بل نافعًا في سياق معركته على الوعي.

من هنا، فإن دراسة القاديانية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العقدي فحسب، بل يجب أن تُفهم ضمن شبكة المصالح السياسية والاستعمارية التي أحاطت بها منذ ولادتها. فالمسألة ليست اختلافًا مذهبيًا عابرًا، بل مشروعًا لتفكيك الدين من الداخل، ونزع قدرته على إنتاج موقف، وتحويله إلى طقوس روحية معزولة عن قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مفكراً عظيما ام ارعابياً

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لإكراه المسلمين في الشيوعية وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...