“خبيصه” الوضع في لبنان، وليس في قواميس اللغة العامية ومفرداتها كلمة تحل محلها. و”الخبيصة”، كما يعرفها الجبليون مثلي، ومن هم من جبلي، هي “أكلة” شعبية مؤلفة من مجموعة من الحبوب مثل: العدس والحمّص والبازيلا والقمح والعجين، ومن بعض الخضار كالهندبة والبقدونس والبقلي الخ. وهناك قرى جبلية تسمي “الخبيصة” هذه “مخلوطة” إشارة إلى العناصر التي تتألف منها. وهي في النهاية تجتمع في وعاء واحد مع احتفاظ كل عنصر من عناصرها بطعمه الخاص واستقلاليته التي تميزه عن سواه.
ما الفرق، إذاً، بين “الخبيصة” والوضع اللبناني؟ كلنا نتغنى بالتنوع ضمن الوحدة، وكل واحد منّا يرى الوحدة من منظار نوعه ودينه وطائفته وعقيدته السياسية. كلنا يشتغل بالسياسة وينتصر للسياسيين على قاعدة “أنصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً” وطعّم نصرك له بالكلام على أنه نصر للوطن وللمواطن!! ولكن أي وطن وأي مواطن؟
زعلوا من توم برّاك لأنه قال ان لبنان دولة فاشلة ونشروا “طوله” على صنوبر بيروت. أكيد تخّنها برّاك ولم يراعِ آداب أصوله اللبنانية وفحواها: “إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا”. أما مستر براك فقد هتك ستر معاصينا وقدّمنا لأنفسنا على حقيقتنا بدون “رتوش” فذُعِرنا ورحنا نرجم برّاك بالثقيل من الشتائم والشنيع من الإهانات.
الوضع ليس “خبيصة”؟ فماذا نسمي ما يشهده القضاء بشأن مصير ودور وصلاحيات المحقق العدلي “مغتصب السلطة”، طارق البيطار، حسب إجتهاد المدعي العام التمييزي السابق غسان عويدات. للتذكير، منذ أن خرق البيطار “تابو” الجهات التي تعتبر نفسها فوق أي قانون وخارج أي محاسبة أو سؤال، هبت عليه عاصفة “الدبابير” المتسيدة المشهد والقرار. ولما صمد الرجل وغامر حتى بحياته طوقوه بقرار منعه من السفر خارج لبنان بانتظار الظرف المناسب لمحاسبته على تمرده على سلطانهم. وبسبب قرار منع السفر هذا لم يتمكن المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت من السفر إلى بلغاريا للتحقيق مع قبطان الباخرة التي حملت امونيوم الموت والدمار إلى مرفأ بيروت والذي تحتجزه الحكومة البلغارية وتوافق على التحقيق معه على أراضيها.
أوليس انتخاب المنتشرين من الأدلة على ان لبنان دولة فاشلة؟ كيف يحق لطائفة من طوائف لبنان، بل لمذهب من المذاهب ان يمنع – كذا – المنتشر اللبناني من ممارسة حقه بانتخاب نائب دائرته الانتخابية دون تحمل نفقات وأعباء المجيئ إلى لبنان لممارسة هذا الحق الذي منحه إياه الدستور؟
من أين جاء رئيس مجلس النواب النبيه بمقولته المنفرّة ان انتخاب المنتشرين استهداف للشيعة!! ماذا لو قيل لك من بضاعة قولك: انك بحرمانهم من ممارسة حقهم الدستوري تستهدف المسيحيين وممثليهم وأحزابهم؟! إلى هنا وصلت الأمور؟ ليس لك مثل هذا الكلام يا أبا مصطفى. ولست من الذين يستفزهم كلام استفزنا جميعاً، وأنت أستاذ المرونة وتدوير الزوايا المشهود لك من الخصوم قبل المؤيدين.
حتى رئيس الجمهورية يقيّم على القطعة. مرة كلامه معقول، وأخرى مرفوض، وثالثة أنه لا يملك حق الكلام باسم الدولة. والله حيّرتوا سمانا. ساعة رئيس الجمهورية رئيس جميع السلطات، وساعة كلمته هي كلمة الدولة.. وفجأة يتم الانقلاب ويقال: هذا وضع كان قبل “اتفاق الطائف”، واليوم صار القرار لمجلس الوزراء مجتمعاً. طيّب، تؤخذ قرارات مجلس الوزراء بالتوافق وان تعذّر فبالتصويت ولكن التصويت يهدّد الوحدة الوطنية والعيش المشترك.. ولذلك نتجنبه واذا أُحتكم إليه “شي مرة” تعلو أصوات “مزيكة” خرق الميثاق الوطني والانقلاب على العيش المشترك.. “واحترنا يا قرعه وين بدنا نبوسك”. تهاجمون توم براك وتفعلون كل ما يؤكد قوله. أوليس هذا هو الفشل بعينه؟؟


