في ذكرى رحيل الإمام العلامة السيد المرجع الديني الكبير السيد محمد حسين فضل الله، لا نحي ذكرى فقيه كبير فقط، بل نحي مشروعاً حضارياً كاملاً آمن بالإنسان قبل الطائفة، وبالعقل قبل النقل، وبوحدة الأمة قبل تمزقها.
النهج الحضاري المنفتح: الإسلام دين حياة وعقل
كان السيد فضل الله من أبرز من جدد الخطاب الديني في العصر الحديث. لم يحبس الإسلام في زاوية الشعائر فقط، بل قدمه كـ “دين حضارة” يخاطب العقل ويواكب العصر.
كان يقول: “الإسلام لا يخاف من العقل، ولا يخاف من الآخر”. ففتح باب الاجتهاد، وحاور قضايا المرأة، والشباب، والأسرة، والسياسة بمنطق فقهي متجدد لا يتنازل عن الثوابت ولا يتصادم مع متطلبات الحياة.
راية الوحدة الإسلامية وجسر الأديان
كان السيد المرجع من أوائل العلماء الذين جعلوا من “وحدة المسلمين” أولوية فقهية وسياسية.
وقف ضد خطاب التكفير، وحرم الاقتتال الطائفي، وقال: “الخلاف الفقهي لا يبرر الدم”.
ولم يتوقف عند وحدة المسلمين. مدّ يده إلى المسيحيين وكل أهل الكتاب. أسس “لجنة الحوار الإسلامي المسيحي” وشارك في لقاءات الأديان. كان يرى أن “الوطن الواحد يفرض علينا مصيراً واحداً، وأخلاقاً واحدة”.
باني المؤسسات… المرجعية التي تحتضن اليتيم
لم تكن مرجعية السيد فضل الله على الورق. كانت مؤسسات على الأرض.
بنى “مؤسسة المعارف الإسلامية الثقافية”، “جمعية المبرات الخيرية” التي تحتضن اليوم عشرات الآلاف من الأيتام وأبناء العائلات الفقيرة. مدارس، جامعات، مستشفيات، دور للأيتام، ومراكز للمعوقين.
كان يؤمن أن “الفقير هو قضية المرجعية الأولى”. فكان بيته مفتوحاً، ومكتبه مفتوحاً، ومال الخمس يعود إلى الناس على شكل مؤسسة ترعى الإنسان.
الفكر الإنساني: مقاومة بالوعي قبل السلاح
في زمن الاحتلال، كان للسيد فضل الله موقف واضح في دعم المقاومة كحق مشروع للشعوب. لكنه ربط المقاومة بالوعي، بالتربية، ببناء الإنسان القوي المتماسك.
كان يقول: “نريد شعباً لا يُقهر لأنه متعلم، وموحد، ومؤمن بقضيته”. فربط بين بندقية المجاهد وقلم المعلم.
الخاتمة: الإرث الذي لا يموت
رحل الجسد، وبقيت المدرسة. مدرسة السيد فضل الله هي مدرسة الانفتاح المسؤول، والوحدة الحقيقية، والعمل المؤسساتي.
في زمن الفتن والتقسيم، نحن بأمس الحاجة إلى صوت يقول: “نحن أمة واحدة، ووطن واحد، وإنسان واحد”.
السلام على روحك سيدي. لقد كنت مرجعاً للفقه، وأباً للأيتام، وجسراً بين الأديان، وأملاً للأمة


