الإثنين، 18 مايو 2026
بيروت
24°C
غيوم قاتمة
AdvertisementAdvertisement

صرح دين ودنيا للعلوم العليا جامعة الأزهر ومكتبة الفاطميين

كانت أول صلاة أقيمت في المسجد الأزهر عام 972 م بعد سنتين من شروع جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ببنائه ،وقد ظهر الأزهر الشريف في حقبة ظنها البعض خفوتا أو اضمحلالا للحضارة العربية الإسلامية ، في حين أنها كانت ازدهاراً ثقافياً وفكرياً أنتجت هذا الصرح الكبير تعبيراً عن المكانة العالية التي وصلت اليها ، واقتصرت مهمة الأزهر في ذلك الوقت على دوره كمسجد جامع لمدينة القاهرة المعزية التي ترافق بناؤه معها .

وبعد أن حضر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الى مدينته الجديدة ، بدأت بوادر أولية لاستخدام مسجد الأزهر في أداء دور فكري وعقائدي ينسجم مع أيديولوجية الدولة الجديدة ، ولم يطل الأمر حتى تولى الخليفة العزيز الحكم وأمر وزيره يعقوب بن كلس بأن يحول هذا المسجد الى جامعة علمية وفكرية للعلوم العقلية والنقلية … الدينية والدنيوية ولفكر الشيعة على وجه الخصوص ، ومنذ ذلك الوقت أصبح للأزهر كادره الخاص من العلماء والقراء الذين يتقاضون من الدولة رواتبهم ونفقاتهم ، حتى إذا كان عام 988م وجدناه قد استوى في جامعة مكتملة الأسس والمقومات .

أصبح الأزهر قبلة للعلماء والطلاب دون تمييز في الجنس أو اللغة أو الطبقة يتلقون فيه العلوم الدينية واللغوية وفي بعض الفترات الفلسفة والطب والرياضيات والتاريخ ، وقد نشأ الأزهر ضمن جو علمي رفيع المستوى أبلغ ما يدل عليه ما نشره المؤرخون عن مكتبات الفاطميين ، حيث وصفت بأنها ” إحدى عجائب ذلك الحين ” وأنه ” لم يكن في جميع بلاد المسلمين دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة ” ، ويتناقل هؤلاء المؤرخون في الحديث عن مكتبات العصر الفاطمي أن مكتبة القصر الفاطمي وحدها كانت تحتوي على مليونين وستمائة ألف كتاب ، وأن النسخ كان في هذه الفترة متبعاً كما كانت في هذه المكتبة كتب كبيرة يشتمل كل كتاب منها على خمسين أو ستين مجلداً .

وجاء في وصف بناء الأزهر فكان في وقت إنشائه مكوناً من ثلاث ايوانات حول الصحن ، أكبرها ايوان القبلة الذي يتكون من خمسة أروقة ، ويقطع الإيوان الرئيسي مجاز مرتفع عامودي على القبلة ، وقد تتابعت على الأزهر الزيادات وكان أهمها ما تم في عهد المماليك حتى بلغت مساحته 12000 م2 ، وأقدم ما في المسجد بعض العقود التي تحيط بالصحن وعقود المجاز الذي يؤدي الى المحراب القديم .

ومن أشهر أقسام الأزهر المدرسة الطبرسية والمدرسة الأقبغاوية وباب المزينين ومآذن السلطان الغوري وعبد الرحمن كتخذا ، وأول من تولى التدريس في هذا المسجد هو القاضي علي بن النعمان في شهر صفر 365 هجرية 975 م وكانت أول دراسة تتلى فيه هي مختصر أعده والد القاضي المذكور حول فقه الشيعة سميت ( بالاقتصار ) كانت تلقى على الدارسين وعلى الجمهور الذي كان يحضر حيث لم يكن هناك مانع من حضور أي كان هذا المجلس العلمي .

وبعد أن تم تحويل هذا المسجد الى جامعة علمية جلس الوزير ابن كلس نفسه للتدريس فيه ، وهو الذي عيّن سبعاً وثلاثين فقيهاً للقراءة والتدريس ، ورتب لهم جبايات شهرية ومساكن ، فكانوا أول أساتذة يعملون بانتظام تحت إشراف الدولة وأصبح الأزهر مدرسة إسلامية يقصدها الطلاب من كل البقاع الإسلامية ، ويعيش أهل كل بلد في رواق خاص بهم حتى أضحى الأزهر إضافة الى دوره العلمي والديني مركزاً وملتقىً للشعوب الإسلامية والعربية خاصة ، حتى اعتبر بحق خصوصاً بعد المحن والشدائد التي المت بالمنطقة على التوالي ملاذاً لعلوم الدين ومعقلاً للغة العربية .

وبقي للأزهر هذا الدور والمكانة الرفيعان في كل نواحي المجتمع ، الى أن تغير العهد الفاطمي وتسلم صلاح الدين الايوبي فأحدث انقلاباً في الانتماء المذهبي للبلاد ، وأوقف الدراسة في هذه الجامعة لفترة من الزمن حتى تمكن من تغيير مناهجها وعلومها والقائمين على التدريس فيها بما يتوافق والفقه البديل الذي اعتمدته السلطة الجديدة ، عاد بعدها الأزهر لمواصلة دوره محافظاً على مكانته المتميزة التي تبوأها والتي انعكست سمعة ونفوذاً لأعلامه وكبار المشايخ القائمين عليه .

وحتى ندرك مدى هذا النفوذ لدى شيوخ الأزهر داخل السلطة واتساع التفاف العامة حولهم ما روي عن خلافاتهم العديدة مع المماليك حول شؤون شتى منها تدخل المماليك في قضايا الأزهر وفتاوي كبار شيوخه ، والذي قوبل بتحد من المشايخ وإهانات مباشرة وجهوها للمماليك في عدة مناسبات كان من نتيجتها أنهم استطاعوا المحافظة على حد معقول من الاحترام ومراعاة الجانب تجاه تسلط المماليك وتحكمهم وفق شهواتهم ونزواتهم الخاصة .

بعد سقوط دولة المماليك وهزيمة جيوشهم الساحقة على يد جيش بونابرت الحديث ، وقف الجيش الغازي وجهاً لوجه أمام الشعب المصري ، وهنا أصبح الصدام مباشراً ووجهاً لوجه بين الأزهر والفرنسيين المحتلين فقاد الأزهر مقاومة شديدة على كل مستويات البلاد ، من المقاومة السلبية التي قاها الشيوخ الكبار داخل مجالس نابليون وداخل التشكيلات الإدارية التي أقامها لحكم البلاد … الى المقاومة الوطنية العنيفة التي قادها الشيوخ الصغار من المصريين والمسلمين المحاورين القادمين من البلاد الأخرى حيث نظموا حركات سرية وأعمال المقاومة الشعبية التي وصلت ذروتها باغتيال الجنرال ( كليبر) قائد جيوش بونابرت على يد البطل سليمان الحلبي الطالب ( السوري ) في الأزهر .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

يا عباس وولده ياسر غداً سترون نتائج تفتيت فتح الكبرى !!

للمفارقة العجيبة الغريبة ،ان غزة قدمت أبطالاً بعدد سكان نابلس ،وهذا لا يعني لا سمح الله انني لا احب او اعشق نابلس، وكل تراب الوطن ..ولكن هذا دليل على كيفية ادارة التجهيز للمؤتمر...

"السيد مقتدى الصدر ومهلة 90 يوما"

  في المشهد العراقي لا تقاس المواقف السياسية بحجم الكلمات فقط بل بتوقيت إطلاقها والجهة المقصودة بها والسياق الإقليمي والداخلي الذي تتحرك ضمنه ومن هذا المنطلق فإن المهلة التي...

"العراق في عين العاصفة

يمثل تكليف علي الزيدي تشكيل حكومته ،لحظة سياسية شديدة الحساسية في تأريخ العراق المعاصر ،إذ جاءت ولادة هذه الحكومة وسط تقاطع ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة ،وفي ظل بيئة إقليمية...

الصين تستقبل ترمب بلغة العقل والجسد

في عالم السياسة، ليست الكلمات وحدها من تصنع الرسائل، بل طريقة الوقوف، ونظرات العيون، وترتيب الاستقبال، وحتى المسافة بين الزعيمين. من هنا، بدا المشهد بين الصين ودونالد ترمب أشبه...

نحن لا نتبنى

* في عام ١٩٨٤ ذهبت الي معهد التغذية بشارع القصر العيني بالقاهرة لزيارة مكتبته .. وعندما أردت أن أصور بعض ما أريد من المكتبة ،أشارت مديرة المكتبة إليّ مركز أبحاث أمريكي داخل المعهد...

من يتحمل مسؤولية خطاب سياسي وإعلامي لا يرقى إلى مستوى تضحيات أهل المقاومة وناسها؟

منذ بداية الحرب الأخيرة التي أطلقتها المقاومة في ٢ آذار، كان واضحًا حجم الغياب الإعلامي مقارنة بالحرب الماضية، والتي كان نجمها المظلوم الحاج محمد عفيف، الذي كان فدائياًبكل...