عندما دخلت خديجة بيتنا ، لو أفرغت على رأسها كيساً مملوءاً بالدخن لعلقت كل الحبوب في أخاديد وثقوب وجهها ، ولما سقطت حبة واحدة … حسناً أنا كنت سيدة البيت وكانت خديجة تعمل وتطهو … ولم يكد يمر شهر واحد حتى استردت تضاريسها وسمنت وقويت بعد ضعف وهزال ، وعندئذ حبلت ، حسناً أصبح معلوماً أن خديجة أفلحت ، وأصبح زوجي ملتفتاً إليها بكل جوارحه ، إن اشتهت برقوقاً في أكثر أيام الشتاء برداً كان زوجي ” كدا علي ” يحضره لها من تحت الصخر ، وأنا قد أصبحت تعيسة الحظ ! .
وكل ليلة عندما يأتي كدا علي الى البيت كان يُحضر لحجرة خديجة كل ما تتوحم عليه ، وأنا كنت أعيش معه من باب الصدقة – خديجة بنت حسن اللبان التي عندما دخلت بيتنا كانت تبدو كالصعاليك وغير مهندمة باتت الآن تتكبر علي ، عندئذ ندمت وعلمت أني أخطأت ، وصبرت تسعة أشهر كنت فيها أتظاهر بالعافية أمام الجيران ، لكنني كنت أضطهد خديجة بشدة في الأيام التي لم يكن زوجي فيها موجوداً ، وأغتابها وأفتري عليها لدى زوجي ، حيث كنت أقول :
” عند الشيخوخة أصبحتَ مغرماً بذات عيون الضفدع ! إنك لا تنجب أصلاً ، إنه من نطفة عشيق .. خديجة تحاول أن تحبل من الحاج تقي صانع الملاعق ” ، وكانت خديجة أيضاً تفسد علي الأمر وتغتابني لدى كدا علي … لا أوجع رأسكم ، كان تحدُث في بيتنا جلبة كل يوم ، وحدث ولا حرج .. وجميع جيراننا تعذبوا من صراخنا ، وكنت قلقة جداً وخائفة أن يكون المولود صبياً .
ذهبت وفتحت الطالع ولجأت الى السحر والشعوذة ، لكن السحر لم يجد معها ، وكأن خديجة كانت قد أكلت لحم الخنازير فكانت تسمن كل يوم حتى وضعت خديجة هانم في تمام الشهر التاسع وتسعة أيام وتسع ساعات وتسع دقائق .. وماذا أنجبت ؟ .. صبياً .
وأصبحت أنا تافهة في بيت زوجي ! لم أعلم هل كان لدى خديجة خرز الثعبان ، أم قد أعطت شيئاً ” لكدا علي ” ليأكله ؟ وأصبحت تلك المرأة التي احضرتها بنفسي من حي الشحاذين ، أصبحت تعرف نقاط ضعفي جيداً ، إذ قالت لي أمام زوجي : ” يا عزيزة آغا بدون إزعاج فإن يدي لا تصل اغسلي حفاضات الطفل ” ، حين قالت هذا استشطت غضباً ، وقلت أمام كدا علي كل ما خرج من فمي ، وطلبت منه أن يطلقني ، لكن المرحوم كام يقبل يدي ويقول : ” لماذا تفعلين هكذا ؟ أخاف أن ترضع الطفل لبن الإعراض دعي الطفل يقدر أن يشب وعندئذ سأطلق خديجة ” .
لكني لم أعد آكل وأنام من شدة الأوهام ، أغفر لي يا رب .. حتى من أجل أن أحرق قلب خديجة ، ذات يوم بمجرد أن خرجت خديجة الى الحمام وخلا البيت ، ذهبت الى مهد الطفل وسحبت الدبوس من حجابي أسفل حلقي وأدرت وجهي ، وغرست الدبوس حتى نهايته في يافوخ الطفل ، لم يسكت الطفل طوال ليلتين ويومين ، وكلما صرخ كان قلبي يتمزق ، وما من فائدة مهما دعونا له وعالجناه ، إذ كان عبثاً ، لأنه مات في عصر اليوم الثاني .
حسناً كان واضحاً أن خديجة وزوجي بكيا على الطفل وحزنا ، لكن أنا كنت كشخص قد شفا غليله ووصل الى غايته ، وقلت الى نفسي على الأقل ستبقى حسرة الطفل في قلوبهما ! ولم يكد يمر شهران على هذا ، حتى حبلت خديجة مرة ثانية ، هذه المرة لم أكن أعلم ماذا افعل ، وأقسم بالله أني رقدت شهرين فاقدة الوعي ومريضة من شدة الحزن ، وفي تمام الشهر التاسع وضعت خديجة طفلاً آخر ، وصارت العزيزة المحبوبة مرة أخرى ، كان كدا علي يضحي لله من أجل الطفل .. وإذا كان الله قد أعطى قوم موسى ، أي الشعب المختار منجلاً تافهاً يلهون به ، فإنه وهب كدا علي ابناً وسيماً ومكث يومين في البيت ووضع الطفل قبالته كتمثال وبات يتفرج عليه .
مرة أخرى نفس الطاس ونفس الحمام ! يا سادتي هذا ليس ذنبي ، إذ لم أكن أستطيع أن أرى ضرتي وطفلها ، وذات يوم حين كانت خديجة منشغلة جداً قمت بالكمين ، ومرة أخرى سحبت الدبوس من أسفل حلقي وغرسته في يافوخ الطفل ، ومات الطفل بعد يوم واحد ، كان واضحاً ، ومرة أخرى انطلقت الصيحات والصرخات ، هذه المرة لا تعلمون كيف كان حالي ، من ناحية كنت كأنهم قد وهبوني كل ثروات العالم ، لأني قد تركت وسم الطفل في قلب خديجة ، ومن ناحية كنت أفكر أني الآن قد ارتكبت جريمتين ..
كنت أندب وأبكي ، بكيت لدرجة أن خديجة وكدا علي رأفا بحالي ، وقد تعجبا أني كم أحببت الطفل ابن ضرتي – لكن البكاء لم يكن بسبب الطفل ، بل كان على نفسي من أجل يوم القيامة وضمة القبر ، وفي تلك اليلة قال لي زوجي : ” إذن لم يكن مقسوماً لي أن أنجب ، فكما ترين أن أطفالي لا يشبون ويموتون ” .. ولم يكد الشتاء يمضي حتى حبلت خديجة مرة أخرى ..
التتمة في الأسبوع القادم ……


