مقدمة: عندما تصبح الانتخابات جزءًا من معادلة الأمن القومي
في الديمقراطيات المستقرة، تكون الانتخابات آلية لتجديد الشرعية السياسية. أما في الدول التي تعيش داخل بيئة أمنية صراعية، فقد تتحول الانتخابات نفسها إلى أحد عناصر الأمن القومي، خصوصًا عندما تتقاطع نتائجها المحتملة مع الحرب، والأمن الداخلي، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والتهديد الإيراني، والجبهة اللبنانية، وغزة، والضفة الغربية.
من هنا تبرز فرضية تستحق الدراسة في الحالة الإسرائيلية الراهنة: هل يمكن أن يؤدي “حدث ضخم” أمني أو عسكري أو جيوسياسي إلى خلق ظروف استثنائية تسمح بتأجيل الانتخابات، بما يوفر لحكومة بنيامين نتنياهو فرصة لإعادة ترتيب أوراقها السياسية؟
السؤال ليس افتراضًا مؤامراتيًا، ولا يعني أن ثمة قرارًا إسرائيليًا قائمًا بالفعل لصناعة مثل هذا الحدث.
لكنه سؤال استراتيجي مشروع، لأن البيئة الإسرائيلية الحالية تجمع ثلاثة متغيرات شديدة الحساسية: اقتراب موعد الانتخابات، هشاشة وضع الائتلاف الحاكم، وتبدل اتجاهات الرأي العام لمصلحة منافسين، وفي مقدمتهم غادي آيزنكوت.
وقد أعلنت إسرائيل أن الانتخابات ستجري في 27 تشرين الأول 2026، أي في آخر موعد يسمح به الإطار القانوني الحالي.
والأهم أن بعض استطلاعات آب, تشير إلى أن حزب آيزنكوت «يشَر» بات في موقع متقدم على الليكود في بعض السيناريوهات، وأن كتلة المعارضة تقترب من عتبة الأغلبية البرلمانية.
وبالتالي، فإن القضية الحقيقية ليست: هل يريد نتنياهو تأجيل الانتخابات؟
بل:
هل يمكن أن تتشكل بيئة أمنية استثنائية تجعل التأجيل ممكنًا قانونيًا وسياسيًا، وتمنح الحكومة القائمة مبررًا للقول إن إجراء انتخابات حرة وآمنة أصبح متعذرًا؟
أولًا: لماذا أصبحت الانتخابات تهديدًا سياسيًا محتملًا لنتنياهو؟
تكمن أهمية الانتخابات المقبلة في أنها لا تبدو مجرد تنافس حزبي تقليدي، بل أقرب إلى استفتاء على مرحلة نتنياهو بأكملها.
فالحكومة الحالية تواجه أزمة مركبة:
-تآكل نسبي في صورة نتنياهو القيادية.
-صعود شخصيات منافسة ذات خلفية أمنية وعسكرية.
-استمرار الجدل حول مسؤولية القيادة السياسية والأمنية عن إخفاقات 7 تشرين الأول.
-الإرهاق المجتمعي الناتج عن الحروب المتعددة.
-الضغوط الأمريكية على حرية الحركة الإسرائيلية في عدد من الجبهات.
-استمرار عدم الاستقرار في غزة ولبنان وسوريةوإيران.
-الخلافات داخل الائتلاف اليميني نفسه.
وفي المقابل، يقدم آيزنكوت نفسه بوصفه شخصية ذات رصيد أمني وعسكري، وهو أمر بالغ الأهمية في مجتمع إسرائيلي يضع مفهوم الأمن في قلب الشرعية السياسية.
وتكتسب هذه النقطة وزنًا أكبر لأن استطلاعًا حديثًا أظهر تقدم آيزنكوت على نتنياهو في تفضيل الجمهور لرئاسة الحكومة، بينما أشارت استطلاعات أخرى إلى تقدم حزبه في توزيع المقاعد.
إلا أن المشهد ليس محسومًا. فهناك استطلاع آخر حديث يعطي الليكود تقدمًا ويُظهر أن كتلة نتنياهو ما زالت قادرة على المنافسة.
وهنا تكمن النقطة الاستراتيجية:
نتنياهو لا يواجه هزيمة حتمية، لكنه يواجه للمرة الأولى منذ فترة طويلة انتخابات ذات مخاطر مرتفعة جدًا.
ثانيًا: هل يستطيع نتنياهو قانونيًا تأجيل الانتخابات؟
هذه النقطة جوهرية، لأن السيناريو لا يمكن فهمه من دون التمييز بين الرغبة السياسية والإمكانية الدستوريةر.
ينص القانون الأساسي للكنيست على أن مدة الكنيست أربع سنوات، وأن تمديد ولايتها يحتاج إلى قانون يصدر بأغلبية 80 عضوًا، مع وجود «ظروف خاصة» تمنع إجراء الانتخابات في موعدها، على ألا يتجاوز التمديد المدة التي تفرضها تلك الظروف.
وهذا يعني أن تأجيل الانتخابات ليس قرارًا إداريًا بسيطًا تتخذه الحكومة منفردة.
بل يحتاج إلى مسار قانوني ـ برلماني استثنائي.
والأهم أن نائب رئيس المحكمة العليا القاضي نعوم سولبرغ أشار مؤخرًا إلى أن حالة طوارئ وطنية يمكن أن تبرر تأجيلًا محدودًا، ولكن بشرط إثبات وجود ضرر جوهري يحول دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
إذن:
الأزمة الأمنية وحدها لا تكفي نظريًا؛ المطلوب أن تصبح الأزمة مانعًا فعليًا من إجراء انتخابات حرة وآمنة.
وهذا يضع سقفًا مرتفعًا جدًا لأي محاولة للتأجيل.
ثالثًا: ما المقصود بـ«الحدث الضخم»؟
الحدث الضخم، من منظور استراتيجي، ليس بالضرورة هجومًا واحدًا.
بل هو حدث يمتلك أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون ذا أثر أمني واسع.
الشرط الثاني: أن يخلق حالة طوارئ وطنية يصعب معها تنظيم الاقتراع بصورة طبيعية.
الشرط الثالث: أن يكون قابلًا للتسويق سياسيًا باعتباره تهديدًا وجوديًا أو استثنائيًا.
الشرط الرابع: أن يحظى الإطار القانوني للتأجيل بقبول المؤسسات الإسرائيلية، ولا سيما الكنيست والمحكمة العليا.
ومن هنا يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية.
رابعًا: السيناريو الأول ـ تصعيد إقليمي واسع مع إيران
هذا هو السيناريو الأكثر استراتيجية.
فإذا اندلعت مواجهة واسعة بين إسرائيل وإيران، وترافقت مع إطلاق مكثف للصواريخ أو المسيّرات باتجاه العمق الإسرائيلي، وأدت إلى تعطيل المطارات والبنية التحتية ومراكز المدن أو تعبئة واسعة للاحتياط، فقد تتشكل ظروف تجعل إجراء انتخابات وطنية أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن هناك فرقًا مهمًا:
الحرب لا تعني تلقائيًا تأجيل الانتخابات.
إسرائيل أجرت في تاريخها انتخابات خلال ظروف أمنية شديدة التعقيد، ولذلك فإن مجرد وجود حرب لن يكون كافيًا.
ما يمكن أن يغير المعادلة هو نوع الحرب ومدتها ومدى تأثيرها على القدرة الفعلية على التصويت.
وهنا يصبح السيناريو الأخطر هو حرب متعددة الجبهات:
إيران + لبنان + غزة + الضفة الغربية.
عندها يمكن أن تنتقل إسرائيل من «حالة حرب» إلى حالة تعبئة وطنية شاملة.
خامسًا: السيناريو الثاني ـ انفجار الجبهة اللبنانية
الجبهة اللبنانية تحمل أهمية خاصة في هذا السياق.
فاستمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان، رغم وجود ترتيبات لخفض التصعيد، يعني أن المسرح اللبناني ما زال قابلًا للاشتعال.
وقد شهد يوم 15 آب، 2026 ضربة إسرائيلية في جنوب لبنان أوقعت قتلى، في مؤشر إلى هشاشة التهدئة القائمة.
إذا تطور هذا الوضع إلى حرب واسعة، فإن إسرائيل تستطيع تقديم الأمر بوصفه انتقالًا إلى مرحلة أمن قومي استثنائية.
لكن هنا أيضًا توجد معادلة معقدة:
الحرب قد تساعد نتنياهو سياسيًا، لكنها قد تدمره سياسيًا أيضًا.
إذا نجح في تقديم نفسه باعتباره «رجل الأمن الذي تحتاجه إسرائيل»، فقد يرتفع دعمه.
أما إذا تحولت الحرب إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة دون إنجاز واضح، فقد تصبح الانتخابات استفتاءً على فشله.
وهذا ما يجعل الحرب سيفًا ذا حدين.
سادسًا: السيناريو الثالث ـ حدث أمني داخلي كبير
قد يكون «الحدث الضخم» داخليًا وليس خارجيًا.
مثل:
هجوم إرعابي واسع داخل إسرائيل.
موجة عنف داخلية واسعة.
انهيار أمني في مدن مختلطة.
أزمة رهائن.
هجوم سيبراني واسع يعطل البنية التحتية.
استهداف منشآت استراتيجية.
أزمة أمنية متزامنة مع اضطراب اجتماعي.
هذا النوع من الأحداث قد يكون أكثر تأثيرًا على العملية الانتخابية من حرب خارجية، لأنه يمكن أن يضرب مباشرة قدرة الدولة على تنظيم الانتخابات.
لكن هنا يجب الحذر من القفز إلى
الاستنتاج:
لا توجد في المعطيات المتاحة حاليًا أدلة موثوقة تثبت وجود خطة إسرائيلية لصناعة حدث داخلي من هذا النوع.
والتحليل الأكاديمي الجاد يجب أن يميز بين الاستعداد لسيناريو والتخطيط لصناعته.
سابعًا: السيناريو الرابع ـ أزمة دستورية/أمنية مركبة
هذا السيناريو أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
قد لا يكون هناك «حدث واحد»، وإنما تراكم أحداث:
تصعيد أمني + تعبئة احتياط + أزمة مع الولايات المتحدة + أزمة ائتلافية + تهديد صاروخي + اضطراب اقتصادي + عجز لوجستي عن تنظيم الانتخابات.
عندها يمكن للحكومة أن تدفع باتجاه مقولة:«الدولة تستطيع أن تخوض الحرب، لكنها غير قادرة في الوقت نفسه على ضمان انتخابات حرة وآمنة لجميع المواطنين.»
وهنا تتحول المسألة من قرار سياسي إلى حجة دستورية.
وهذا هو السيناريو الذي يستحق المتابعة أكثر من غيره.
ثامنًا: ما الذي يجعل فكرة التأجيل صعبة؟
هناك أربعة حواجز رئيسية.
1. المحكمة العليا
المحكمة ستكون لاعبًا مركزيًا إذا حاولت الحكومة تمديد ولاية الكنيست.
وقد أظهر النقاش القضائي الأخير أن معيار «الظروف الاستثنائية» ليس مفتوحًا بلا حدود، بل يرتبط بوجود ضرر جوهري على إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
2. أغلبية الـ80 نائبًا
القانون الأساسي يشترط أغلبية استثنائية لتمديد ولاية الكنيست.
وهذه ليست أغلبية عادية يستطيع نتنياهو ضمانها بمجرد الاعتماد على ائتلافه الحالي.
3. الشرعية الدولية والأمريكية
أي محاولة لتأجيل الانتخابات في لحظة تراجع شعبية الحكومة ستكون تحت المجهر الأمريكي والدولي.
خصوصًا أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو نفسها شهدت مؤخرًا تباينات سياسية، وأن ترامب لم يمنح نتنياهو دعمًا انتخابيًا صريحًا رغم اقتراب الانتخابات.
4. الخوف من انقلاب التأجيل إلى أزمة شرعية
قد ينجح نتنياهو في تأجيل الانتخابات قانونيًا، لكنه يفشل سياسيًا.
لأن المعارضة قد تقدم الخطوة باعتبارها محاولة للبقاء في السلطة.
وهنا تصبح شرعية الدولة نفسها موضوعًا للنزاع.
تاسعًا: هل إسرائيل مستعدة لهذا السيناريو؟
هنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات من الاستعداد.
الاستعداد العسكري
إسرائيل تمتلك بنية تعبئة واحتياط وقيادة طوارئ متقدمة، ما يسمح لها بالعمل في ظروف حرب واسعة.
الاستعداد المؤسسي
هناك خبرة إسرائيلية تاريخية في إدارة الانتخابات خلال الأزمات، كما أن القانون نفسه يتضمن آلية استثنائية لتمديد الولاية عندما تمنع الظروف الخاصة إجراء الانتخابات.
الاستعداد السياسي
وهذا هو المستوى الأكثر حساسية.
الحكومة والمعارضة تدركان أن الأمن سيكون العامل الحاسم في انتخابات 2026.
ولهذا فإن كل تطور في إيران ولبنان وغزة والضفة الغربية يمكن أن يتحول إلى متغير انتخابي.
عاشرًا: المؤشر الأخطر ليس وقوع الحدث… بل تغير الخطاب قبله
من منظور الاستخبارات الاستراتيجية، لا ينبغي انتظار «الحدث الضخم».
بل ينبغي مراقبة المؤشرات السابقة له.
وأهمها:
المؤشر الأول
ارتفاع الخطاب الرسمي عن «التهديد الوجودي» و«الظروف غير المسبوقة».
المؤشر الثاني
بدء الحديث عن استحالة إجراء انتخابات آمنة.
المؤشر الثالث
تغيير الخطاب من «الانتخابات في 27 أكتوبر» إلى «عندما تسمح الظروف».
المؤشر الرابع
تزايد الحديث القانوني عن المادة المتعلقة بالظروف الخاصة.
المؤشر الخامس
ظهور نقاشات داخل الكنيست حول تمديد الولاية.
المؤشر السادس
زيادة مفاجئة في التعبئة العسكرية أو تمديد خدمة الاحتياط بصورة واسعة.
المؤشر السابع
تعاظم التوتر مع إيران أو حزب الله بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات.
المؤشر الثامن
تحول الحكومة من خطاب «تحقيق النصر» إلى خطاب «منع الانهيار الأمني».
المؤشر التاسع
ظهور اتصالات أمريكية مكثفة بشأن الانتخابات والاستقرار الإسرائيلي.
المؤشر العاشر
انتقال النقاش من سؤال «من سيفوز؟» إلى سؤال «هل يمكن إجراء الانتخابات؟».
هذا الأخير سيكون من أخطر المؤشرات السياسية.
الحادي عشر: المفارقة الاستراتيجية ـ لماذا قد لا يكون التأجيل مفيدًا لنتنياهو؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن تأجيل الانتخابات يمنح نتنياهو الوقت.
لكن الوقت لا يعمل دائمًا لصالح السلطة.
فإذا كان اتجاه الرأي العام ضده، فإن تأجيل الانتخابات قد يمنح المعارضة فرصة إضافية لتنظيم صفوفها.
كما أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى:
خسائر بشرية أكبر؛
ضغط اقتصادي؛
تعب اجتماعي؛
توتر مع الولايات المتحدة؛
تعميق الانقسام الداخلي.
وبالتالي قد يصبح التأجيل:
استراتيجية لإعادة إنتاج السلطة، أو فخًا يسرّع سقوطها.
الثاني عشر: آيزنكوت والمتغير الأمني
صعود غادي آيزنكوت تحديدًا يمثل متغيرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
فالانتخابات الإسرائيلية عادة ما تتأثر بالسؤال الأمني، وآيزنكوت يدخل المنافسة من موقع مختلف عن السياسي المدني التقليدي.
وهذا يعني أن نتنياهو لا يستطيع بسهولة استخدام «الأمن» وحده كسلاح انتخابي.
لأن منافسه يستطيع أن يقول:
أنا أيضًا رجل أمن، لكنني أقدم قيادة مختلفة.
وهنا يصبح الصراع بين الرجلين صراعًا على تعريف «الأمن الإسرائيلي» نفسه.
وهذه نقطة قد تكون أهم من عدد المقاعد الذي يحصل عليه كل حزب.
الثالث عشر: السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس «صناعة حدث» بل «استثمار حدث»
وهنا أصل إلى خلاصة أساسية.
لا أرى أساسًا كافيًا للقول إن نتنياهو يستعد لصناعة حدث أمني كبير بهدف تأجيل الانتخابات.
لكن من الناحية الاستراتيجية، يمكن تصور شيء مختلف وأكثر واقعية:
أن تكون الحكومة مستعدة لاستثمار أي أزمة أمنية كبيرة إذا وقعت قبل الانتخابات.
وهذا فارق جوهري.
الأول يعني التخطيط لصناعة الأزمة.
أما الثاني فيعني بناء استراتيجية سياسية وقانونية للاستفادة من أزمة تقع بالفعل.
وهذا النوع من الاستعداد أكثر قابلية للتصديق، خصوصًا في بيئة تتعدد فيها الجبهات وتتداخل فيها السياسة بالأمن.
الرابع عشر: مصفوفة السيناريوهات
السيناريو إمكانية حدوثه قدرته على تأجيل الانتخابات فائدته لنتنياهوتصعيد محدود مع إيران مرتفعةضعيفةمحدودةحرب واسعة مع إيران متوسطة مرتفعة غير محسومة حرب واسعة مع ح زب الله متوسطة مرتفعةغير محسومةحرب متعددة الجبهات منخفضة ـ متوسطةعالية جدًا شديدة المخاطرة هجوم داخلي كبيرمنخفضة متوسطة ـ عاليةغير محسومة أزمة دستورية متوسطة متوسطةسياسية
أكثر منها عسكرية تأجيل قصير بسبب مانع أمني حقيقي ممكن مرتفعة قد يكون مفيدًا تأجيل طويل منخفض قانونيًا وسياسيًا شديد الصعوبة قد يرتد ضد نتنياهو
الخامس عشر: ماذا ينبغي أن نراقب من الآن وحتى 27 تشرين الأول؟
إذا أردنا بناء نظام إنذار مبكر سياسي ـ أمني، فإنني أقترح مراقبة خمسة مسارات بالتوازي:
المسار الأول: إيران
هل تعود المواجهة إلى مستوى استراتيجي مفتوح؟
المسار الثاني: لبنان
هل تتحول العمليات الحالية من ضربات موضعية إلى حرب واسعة؟
المسار الثالث: غزة
هل يحدث انهيار في ترتيبات وقف إطلاق النار يؤدي إلى عودة الحرب الشاملة؟
المسار الرابع: الداخل الإسرائيلي
هل ترتفع الاحتجاجات والانقسامات والاضطرابات إلى مستوى يؤثر في قدرة الدولة على إدارة الانتخابات؟
المسار الخامس: المؤسسة الدستورية
هل يبدأ نقاش قانوني ورسمي حول المادة 9A وتمديد ولاية الكنيست؟
وهذا المسار الأخير هو الأهم؛ لأنه إذا ظهر بالتزامن مع تصعيد أمني كبير، فإننا ننتقل من سيناريو نظري إلى سيناريو سياسي قابل للتنفيذ.
الخلاصة الاستراتيجية
إن عبارة «حدث ضخم وحده الكفيل بتأجيل الانتخابات الإسرائيلية» تحتوي على جزء كبير من الحقيقة، ولكنها تحتاج إلى تعديل منهجي.
فالحدث الضخم لا يكفي بذاته.
المعادلة تحتاج إلى أربعة عناصر متزامنة:
-حدث أمني استثنائي
-عجز فعلي عن إجراء انتخابات حرة وآمنة
-مسار قانوني داخل الكنيست
-غطاء سياسي ومؤسسي يمنع تحول التأجيل إلى أزمة شرعية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، فإن السيناريو الأكثر أهمية ليس أن «نتنياهو سيصنع حربًا كي يؤجل الانتخابات»، فهذا استنتاج لا تثبته الأدلة المتاحة.
السيناريو الأكثر واقعية هو أن نتنياهو وحكومته قد يواجهان إغراءً استراتيجيًا لاستثمار أي أزمة أمنية كبرى تقع قبيل الانتخابات، إذا كانت الأزمة توفر أساسًا قانونيًا حقيقيًا للتأجيل.
والأهم أن إسرائيل تدخل هذه المرحلة بينما تظهر استطلاعات متناقضة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المنافسة أصبحت جدية جدًا:
استطلاع حديث وضع آيزنكوت وحلفاءه على مسافة قريبة من الأغلبية، فيما أظهرت استطلاعات أخرى أن الليكود وكتلة نتنياهو لا يزالان قادرين على المنافسة.
لذلك فإن المؤشر الحاسم خلال الأسابيع المقبلة لن يكون عدد المقاعد في الاستطلاعات فقط، بل العلاقة بين ثلاثة منحنيات:
-منحنى شعبية نتنياهو
-منحنى التصعيد الإقليمي
-ومنحنى النقاش القانوني حول إمكانية إجراء الانتخابات.
إذا هبط منحنى نتنياهو، وارتفع التصعيد الإقليمي، وبدأ في الوقت نفسه نقاش رسمي حول «الظروف الخاصة» التي تمنع الانتخابات، فهنا ينبغي رفع مستوى الإنذار التحليلي.
أما إذا استمرت شعبية نتنياهو في التراجع دون ظهور مانع أمني حقيقي، فإن تأجيل الانتخابات سيصبح أكثر صعوبة، وقد يتحول أي تأجيل إلى أزمة شرعية داخلية أكبر من الأزمة التي أُريد للتأجيل أن يحلها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد يحتاج نتنياهو إلى حدث أمني كبير كي يؤجل الانتخابات، لكن الحدث الأمني نفسه قد يكون هو الحدث الذي ينهي حكمه.
إنها ليست معادلة «حرب تؤجل الانتخابات»، بل معادلة أكثر تعقيدًا:
الأمن يصنع الشرعية،
والشرعية تحدد السلطة،
والسلطة قد تستخدم الأمن لحماية الشرعية،
لكن الإفراط في استخدام الأمن قد يهدم الشرعية نفسها.


