الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} سورة النساء.
وعن أبي هريرة قال: “يا رسول الله أخبرني بشىء إذا عملتُ به دخلتُ الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أطعِمِ الطعامَ وأفشِ السلام وصِلِ الأرحام وقُم بالليل والناسُ نيام تَدْخُل الجنة بسلام” رواه ابن حِبّان.
في الآية والحديث أمرٌ بصلة الرَّحم ونهيٌ عن قطعها وكم نحن بحاجةٍ اليوم الى تعزيز هذا الأمر والنهي ليترسَّخ هذا المعنى أكثر فأكثر في النفوس
وقد تضمّن قولُه تعالى “واتقوا الله الذي تساءلون به” الأمرَ بطاعته تعالى ومعنى “تساءلون به” تتساءلون به فيسأل بعضكم بعضًا بالله على سبيل الاستعطاف كقول الشخص لغيره: أسألك بالله أن تُعينني أو أن تفعل لي كذا، وقوله تعالى “والأرحام” أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها فإن قطيعة الرَّحِم من كبائر الذنوب. قال تعالى:{فهل عسيتُم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطِّعوا أرحامَكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم} سورة محمَّد. والأرحام الأقارب سواءً كانوا من جهة الأب أو الأم كالأعمام والأخوال وأولادهم والخالات والعمَّات وأولادهن. وتحصل القطيعة بإيحاش قلوبهم وتنفيرها بأن يقطعهم إلى حدٍّ يحصل بسببه إيحاشٌ ونُفورٌ، والضابط في هذه المسألة العُرف فإن كان لو وصلهم بالزيارة في الأفراح والأعياد وفي الأحزان ونزول المصائب وغير ذلك لا يحصل نفورٌ فيكفي، وإن اقتضى الأمر أن يزورهم أكثر من ذلك فعل. وإن كان الرَّحِم غائبًا كأن كان يعيش في بلادٍ بعيدةٍ فلا يتمكن من زيارته يصله برسالةٍ أو بواسطة التلفون مثلًا. وتحصل القطيعة كذلك بترك الإحسان إليهم في حال الحاجة النازلة بهم فلو أصاب الرَّحِم بلاءٌ فلم يجد مثلًا مأكلًا أو مشربًا أو مسكنًا فتركَه قريبُه يُقاسي ولم يُحسن إليه مع قدرته على ذلك فهذا حرامٌ. ومن الأعذار التي تُبيح ترك صلة الرَّحِم أن يكون ذلك الرحم مثلًا لا يُحب دُخول هذا القريبِ إلى بيته كأن قال له: لا تأتِ إليَّ فلا تجب زيارته، أو كان الرَّحم غير مؤمنٍ فلا معصية بترك زيارته لكن يجوز أن يزوره ويترفَّق به رجاء أن يؤمن فيهتدي. وقوله تعالى:{إن الله كان عليكم رقيبًا} أي حفيظًا مُحصيًا أعمالكم عالمًا برعايتكم حرمة أرحامكم وصلتها أو قطعها وتضييع حرمتها.
ولا ينبغي أن تكون زيارتك للرَّحِم للمكافأة فقط أي أن تزروه لأنه زارك ولا ترك صلته لأنه لم يزرك فمن أخلص لله لم ينظر الى هذا فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: “ليس الواصل بالمكافئ ولكنَّ الواصل من وصل رحمه إذا قَطَعَت” رواه البخاري. ففي الحديث إيذانٌ بأن صلة الرحم التي لا تصلك أفضل من صلتك رحِمَك التي تصلك لأن ذلك من حسن الخُلُق وفيه مجاهدةٌ للنفس وحملٌ لها على الخير.
وعن أَبي هريرة أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رسول الله إنّ لي قَرَابةً أصِلُهم وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ وَأحْلُمُ عَنهم وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكأنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ تَعَالَى ظَهيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ». رواه مسلم. وتُسفُّهم تُطعِمُهم والمَلَّ الرماد الحارّ وفي الحديث تشبيهٌ لما يلحقهم من الإثم بما يلحق من يستفُّ الرمادَّ الحارَّ من الألم والظهير المعين فيكون هو مأجورًا وهم آثمون.
سرٌ وبركةٌ
ثم إن من أسرار صلة الرَّحِم زيادة البركة فعن سيدنا عليٍ عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من سرَّه أن يَمُدَّ الله في عُمره ويُوسِّع له رزقه ويَدفَع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه” رواه البيهقي. والمعنى: أن عمره يطول من حيث المعنى، أي يُبارك الله له فيه بتوفيقه للعمل الصالح فيُبالغ في فعل الخير فكأنه قد زِيد في عمره ففعل كل هذه الطاعات، وليس المعنى أن تقدير الله يتغيَّر، فمشيئة الله لا تتغير، فمن شاء الله له أن يموت في سنِّ كذا مات فيه لا يتغيَّر. قال تعالى:{ولكل أمةٍ أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} سورة الأعراف.
وأما حديث الطبراني وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”صلة الرحم تزيد في العمر” فمعناه أنه كان في علم الله تعالى أنه لولا هذه الصلة كان عمره كذا ولكن الله علم بعلمه الأزلي أنه يصل رحمه فيكون عمره أزيد من ذلك بمشيئة الله فيكون المعلوم المحكوم أنه يصلُ رحمَه فيعيش إلى هذه المدة فلا يُنافي ذلك اعتقاد أن مشيئة الله لا تتغير.
وحيث عُلم هذا فما بالُ أناسٍ يُقصِّرون في صلة أرحامهم فتمرُّ السنوات ولا يصل أحدهم قريبه بشىءٍ بل ترى بعض الأرحام لا يعرفون بعضهم بسبب الإهمال والبعد عن معرفة أحكام الدين، وهذا من ابرز أسباب تفكك الأُسر فيصير الأقارب كالغرباء، والإخوان كالأعداء فيقل التعاون على البر والتقوى وتتقطع أواصر المحبة بين الكثيرين وهذا ما يُوسوس به الشيطان ويشتهيه أعداءُ الأمة. ولكنَّ من تبع تعاليم الشرع الشريف أدرك خُطورة ذلك فجديرٌ به أن يلتزم التوجيهات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم القائل:”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه” رواه البخاري. والقائل أيضًا:”لا يدخل الجنة قاطع رحم” رواه البخاري في “الأدب المفرد”. والمعنى أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة مع الأولين إنما يدخلها مع الآخرين فهو مستحقٌ للعذاب الشديد، بل إن قطيعة الرحم من أسباب تعجيل العذاب في الدنيا قبل الآخرة فقد روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجَّلَ لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم” والبغي هو الاعتداء على الناس.
وقد أكد نبينا عليه الصلاة والسلام العناية بالرحم تأكيدًا عظيمًا فعن أبي ذرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ستفتحون مصر وهي أرضٌ يُسمى فيها القِيراط (القيراط نصف دَانق والدانق سُدسُ الدرهم) فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمةً ورَحِمًا” رواه مسلم. والمراد الرَّحِم التي من هاجر أم نبي الله إسماعيل عليه السلام ومن مارية أم إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم كانتا من مصر فتأمل هذه الرعاية البالغة لتعلم فضلَ صلةِ الرحم
والحمد لله أولًا وآخرًا.


