في جلسة طويلة بيني وبين الأستاذ والصديق الراحل جوزيف سماحة، خصصناها لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع إطلاق جريدة (الأخبار)، عام 2006، استعرضنا وناقشنا آراء وملاحظات نخبة كبار الصحافيين العرب، ومقترحاتهم، وخطر لي أن أسأله: لماذا لم تستشر الأستاذ محمد حسنين هيكل؟ فأجابني بأنه لا يعرفه بشكل شخصي.
كنا يوم سبت، فتناولت الهاتف، واتصلت بالأستاذ على رقمه الخاص، وبعد المقدمات المعتادة بين تلميذ وصديقه المعلم، أخبرته بأن (أحد الجورنالجية الكبار يريد أن يراك)، (وصف “الجورنالجي”كان المفضل عند الأستاذ هيكل ،إذا أراد أن يصف من تكون الصحافة هوايته وحرفته، ومهنته) .
سألني: مين الجورنالجي ده؟
أجبت: الأستاذ جوزيف سماحة، وأنا أستغرب با أبو حسن، كيف لا توجد معرفة شخصية بينكما؟ فأجاب حرفيا:
(أرجوك، بلغه أنني أنا المتلهف لمقابلته).
لم يسأل الاستاذ هيكل عن سبب طلب اللقاء، ولم يحل الأمر إلى مدير مكتبه، ولم يطلب فرصة للاطلاع على أجندة مواعيده المكتظة دائما، ولا جدول سفرياته… وسألني مباشرة: تحبوا تتفضلوا امتى؟ قلت له: زي ماتحب.
سألني: انتو في مصر؟ فاحبته بأننا في بيروت، فقال: إيه رأيك يوم الاثنين (بعد أقل من 48 ساعة)، فنظرت إلى الأستاذ جوزيف فأومأ برأسة موافقا.
فقلت للأستاذ: كويس الاثنين، فقال: سأكون الساعة ١١ صباحا في انتظاركم في برقاش.
كانت جلسة استمرت لعدة ساعات، ولم تقتصر على ما لدى الاستاذ سماحة عن (الأخبار)، وما عند الأستاذ من مقترحات، بل احتل جزءاً منها تداول بعض الرؤى حول الصحافة اللبنانية، وما الذي يمكن أن تضيفه (الأخبار)، خصوصاً وأن (الجواب يجب أن يبان من عنوانه)، وهو أننا بصدد صحيفة ستكون الأخبار هي علامتها المميزة الفارقة.. فالصحافة عند الأستاذ هيكل خبر جديد ولو كان، على حد قوله) عن نفرتيتي التي ماتت سنة 1330 قبل الميلاد (وسأعود إلى الخبر، وعلاقته بعنوان مقالي في قادم السطور).
اللقاء تطرق أيضا إلى أوضاع الصحافة والصحف في الوطن العربي، ومستقبلها في ظل سطوة رجال ودول المال، وطغيان الإعلانات الدعائية التي بات أصحابها يهيمنون على المهنة ومحتواها.. والمتوقع في ظل انتشار وسائل التواصل في ظل ظهور (تويتر)، بعد نحو عامين من ظهور (فيسبوك).
كان يوما طويلا ودسما، ومع ذلك، ادخرت لنفسي بعض الأسئلة والموضوعات، فاستأذت الأستاذ هيكل في أن أزوره في مكتبه قبل عودتي إلى بيروت.
في زيارتي للمكتب، طرحت على الأستاذ أسئلة كثيرة، حول إطلالاته على شاشة (الجزيرة)، وتجربته التي كانت على شاشة (المستقبل)، عام 1994 والتي لم تكتب لها الاستمرارية رغم (عظمة) الحوار مع الزملاء: نبيل خوري وسعد محيو ونجوى قاسم وجمانة نمور.. ثم فوزي بحوار طويل أجريته معه أنا والزميل جهاد الزين لصحيفة (السفير)، ونشر على أربع حلقات في 6،7،8،9 يناير 1997.
الحديث عن الصحافة، وبخاصة اللبنانية، دفعني لأن أسأل الأستاذ سؤالا من نوعية لا يفضلها، وربما لا يحبها، لكنني وظفت مكانتي عنده، فقلت له وسألته: أعرف أن مروحة صداقتك بالصحافيين اللبنانيين واسعة، وأنك تستقبل منهم كثيرين، ولكن هل لأحدهم عندك ميزة، أو أفضلية؟ فأجاب دون تردد: حسن صبرا… ثم شرح السبب دون أن أطلب، وقال: معظم الصحافيين، لبنانيين، وغير لبنانيين، يسعون للحصول مني على أخبار.. كذلك حسن.. لكنه يبدأ بأن يمهد الطريق لي بأخبار من عنده.. دائما لديه جديد.. حسن يجيد لعبة (خد وهات).
تذكرت جملة (دائما لديه جديد) وأنا أشاهد وأسمع رسالة الأستاذ حسن صبرا إلى فخامة رئيس الجمهورية، تلك الرسالة التي أعتبرها الأهم على الإطلاق، إذا ما قورنت بما سبقها من رسائل أو مخاطبات، أو كتابات تناولت بالتحديد موضوع الثقة بالولايات المتحدة.
فمن حيث المنطلق، والشكل، فإن مواقف الأستاذ حسن منتصرة للمقاومة من دون تردد، على الرغم من موقفه من حزب الله.. ذلك الموقف الذي لعبت دورا لتحسينه والتوفيق، شاركني فيه الحاج المظلوم محمد عفيف، من دون جدوى، فالملف عند الأستاذ حسن لا خلط فيه، لا بين الشخصي والعام.. ولا بين دور المقاومة، وأي ممارسة سياسية تكون له عليها اعتراضات أو انتقادات.
أما في المضمون، فإن، إطلالة الأستاذ حسن على مرحلة الراحل كميل شمعون، لم تكن فقط في محلها، ولكن عروجه إلى الرئيس الراحل فؤاد شهاب، مس شغاف عقلي وقلبي لأنني أشاطره الرأي في تقييمه لذلك الرئيس الرائع.
إطلالة الأستاذ حسن صبرا على الراحل بشير الجميل، كانت موفقة، فعلى الرغم من هول مساحة الخلاف، والتناقض مع الجميل، فإن أي منصف لا يمكن أن ينسى أنه كان ينطلق من قناعة يرى من خلالها مصلحة لبنان أولا وأخيرا.. ربما كانت رؤيته قاصرة.. ربما كانت واهية.. كان يردد: )أنا ما بشتغل عند الإسرائيلي).
لا أريد أن أبدو في نهاية المطاف مدافعا عن بشير الجميل، الرجل كانت تربطه بالكيان الصهيوني علاقة مرفوضة ومدانة بكل الصيغ التي ترى أن “إسرائيل” عدو بالمطلق، لكن لفتة الأستاذ حسن صبرا الذكية، والتي تتعامل مع الشخصيات العامة والمؤثرة بحسب رؤاها، وقدراتها، مع وضح احتمالات حُسن النوايا في الحسبان، دفعتني إلى استحضار منطلقات الجميّل الذي كان يصف علاقته بالكيان بالتكتيكية المصلحية، لكنه كان يفسر المصلحة هنا بأنها مصلحة لبنان (من وجهة نظره)، وهنا يحضرني لقاؤه في 1 أيلول 1982 التقى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في نهاريا.. فبحسب دراسة تاريخية تستند إلى مصادر إسرائيلية، وليست كتائبية، دخل بيغن الاجتماع وهو يتوقع أن يقود بشير لبنان إلى اتفاق سلام سريع مع “إسرائيل” بل كان يريد ترتيب زيارة متبادلة وتوقيع اتفاق سلام. لكن بشير رفض التوقيع، وتحول اللقاء إلى مشادة حادة كما يصف (مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية)
بل إن المصدر نفسه يذكر أن بشير قال لبيغن: إذا أردتم لبنان حليفًا وصديقًا، فلا تحاولوا إملاء شروطكم عليه.
بشير اعتبر أن “إسرائيل” تحاول التدخل في خياراته، فأعلن أنه سيقطع الاتصالات معها، ومنع أي كتائبي من بالاجتماع بالإسرائيليين..
أيضا، في حديثه مع رئيس الوزراء اللبناني الأسبق صائب سلام في 11 أيلول/سبتمبر 1982، أي قبل اغتيال بشير بثلاثة أيام فقط، نُسب له مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، قوله:
«أنا لست رجل “إسرائيل”، ولست رجل أي دولة أخرى. أنا رجل لبنان. أنا رجل الحرية والسيادة والاستقلال للبنان ضمن مساحة 10,452 كلم²، وهذه هي القاعدة التي لا وجود لها في أساسيات وآداء المشهد الذي نراه اليوم في مسلسل الإطار.. وليس أدل على ذلك من تصريحات نتنياهو في مؤتمره الصحفي في 28 حزيران، حين قال: (إن إسرائيل حققت إنجازاً تاريخياً عبر المفاوضات المباشرة مع لبنان)، وشكر الحكومة اللبنانية، لأنها اعترفت بحق “إسرائيل” في إبقاء المنطقة الأمنية داخل لبنان طالما تقتضي الحاجة الأمنية ذلك.
أما إطلالة الأستاذ حسن صبرا على شمعون/شهاب، فكانت بمثابة صفعة على وجوه كل من لا يقرأون التاريخ، أو يقرأونه لكن لا يتعلمون.
فالرئيس كميل شمعون حاشاه أن يتهمه عاقل بالعمالة، فالقصة وما فيها هي أنه تصور أن الرهان على الغرب فيه مصلحة للبنان،أو باستخدام ما نحا إليه الأستاذ حسن صبرا في استدعائه لمقولة الرئيس الراحل حسني مبارك: (المتغطي بالأمريكان عريان) ، فهذا الرهان في نظر خصوم الرئيس شمعون، مآله الحتمي هو التحول إلى خيار سياسي واستراتيجي في الصراع بين الغرب وخصومه، بينما لبنان كعادته بحكم تكونه، شديد الحساسية لأي اصطفاف من هذا النوع، وهذا ما طفا على السطح مع مشروع حلف بغداد، ثم مع مبدأ أيزنهاور. فلبنان، وإن لم يدخل رسمياً في حلف بغداد، لكن سياسة شمعون جعلت خصومه يرون فيه جزءاً من المعسكر الغربي في المنطقة. وتشير وثائق الخارجية الأميركية نفسها إلى عمق العلاقة السياسية بين واشنطن وشمعون أثناء أزمة 1958، وهذا ما كانت قد تحدثت عنه وثيقة أميركية شديدة الأهمية (OFFICE OF THE HISTORIAN ) صدرت يعود تاريخها إلى ما قبل أزمة 1958 بثلاث سنوات، حيث يعود تاريخها إلى 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1955، فكشفت أن رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد والرئيس التركي عدنان مندريس كانا يريان أن بالإمكان إقناع شمعون بإدخال لبنان في الحلف إذا حصل على مساعدات عسكرية واقتصادية غربية. وتقول الوثيقة بوضوح إنهما كانا يعتقدان أن شمعون يستطيع حمل الحكومة اللبنانية على ذلك إذا حصل على الضمانات المناسبة.
في المقابل، إن صح التعبير، كان فؤاد شهاب لبنانياً خالصا في مفهومه للاستقلال، حتى لو رآه فريقا من أنصاره قريبا من التوجه الناصري، وفي هذا مبالغة بعيدة عن الواقع، ورآه فريق آخر من الأنصار انفسهم معاديا عقائديا للغرب، وهذا أيضا أبعد ما يكون عن الطريق الصواب لفهم الرجل. ففؤاد شهاب ببساطة كان يرى أن لبنان لا يستطيع حماية استقلاله بأن يصبح جزءاً من صراع القوى الكبرى. ولذلك فإن علاقته بالعالم العربي كان ينبغي أن تقوم على التعاون، وعلاقته بالغرب على الصداقة والتعامل المتكافئ، لا على الأحلاف العسكرية. وهذا المعنى ظهر بوضوح في خطاب قسمه. فقد ربط بين استقلال لبنان وبين الميثاق الوطني، وقال إن لبنان وطن «عزيز مستقل، سيد حر»، متعاون مع الدول العربية، وأن علاقاته مع العالم تقوم على «الصداقة والكرامة والتعامل المتكافئ الحر
هنا، يظهر شمعون منحازا إلى حماية لبنان عبر تعزيز علاقاته بالقوة الغربية؛ أما شهاب فيرى أن حماية لبنان تبدأ بمنع القوى الخارجية من تحوله إلى جزء من صراعاتها. وهذا فارق لوتعلمون استراتيجيا، وليس مجرد اختلاف في السياسة الخارجية. فشهاب كان يدرك شيئاً بالغ الأهمية، وهو أن لبنان أصغر من أن يخوض الحرب الباردة، وأشد تنوعاً من أن يحتمل أن تتخذ دولته موقفاً خارجياً يقسم مواطنيه إلى معسكرين، وهذا بالضبط ما يمكن وضعه كعنوان لما حدث سنة 1958. فشهاب الذي رفض أن يكون لبنان أداة لمحور دولي ضد محور آخر، رفض أن يكون الجيش أداة لطرف لبناني ضد طرف لبناني. وهذا عكس تماما ما نخشى اليوم من أن ينجر إليه لبنان، ويجعل بعضنا في غفلة، ينطق اسم قائد الجيش اللبناني فيقول رودولف شهاب. وكأننا نسأل من عقلنا الباطن، هل يكرر التاريخ نفسه؟


