منذ عقدين ، شكّل ما يُعرف بـ«البيت الشيعي» العمود الفقري للنظام السياسي العراقي، باعتباره مظلة جمعت قوى وأحزاباً وفصائل متعددة توحّدت في مواجهة نظام البعث، قبل أن تتحول تدريجياً إلى قوى متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة. واليوم، يواجه هذا البيت أكبر اختبار في تاريخه، ليس بسبب خصومه السياسيين، بل بفعل الانقسامات والخلافات الداخلية التي باتت تعكس صراعاً على إدارة الدولة ومراكز القرار.
فبعد تراجع التهديدات الأمنية وهزيمة تنظيم داعش وانحسار خطر الحرب الأهلية، لم تعد الضرورات الأمنية تفرض على القوى الشيعية الحفاظ على مستوى الوحدة السابق، وانتقلت المنافسة من مواجهة الخارج إلى صراع داخل البيت نفسه. وأصبح الخلاف يتمحور حول ملفات أساسية، في مقدمتها السلطة والإدارة والسلاح والاقتصاد، في ظل تعدد مراكز النفوذ وتوزع القرار بين الحكومة والأحزاب والفصائل والشخصيات ذات التأثير الديني والاجتماعي.
كما بقي ملف السلاح أحد أكثر الملفات حساسية، فيما تحولت مؤسسات الدولة ومواردها والوزارات والهيئات والمنافذ الحدودية إلى ساحات للتنافس السياسي والاقتصادي. وفي المقابل، شهد المجتمع الشيعي نفسه تحولاً مهماً، إذ لم تعد الأجيال الجديدة تنظر إلى الانتماء الطائفي باعتباره المحدد الأول لمواقفها السياسية، بل أصبحت تقيس القوى بقدرتها على توفير الخدمات وفرص العمل ومحاربة الفساد وحماية السيادة الوطنية.
وقد أظهرت احتجاجات تشرين أن شريحة واسعة من الجمهور مستعدة للاعتراض على القوى التي تراها مسؤولة عن الفشل، حتى وإن كانت تنتمي إلى بيئتها المذهبية. وبذلك، انتقلت الشرعية السياسية تدريجياً من التاريخ النضالي والمعارضة السابقة إلى معيار الأداء والكفاءة والقدرة على إدارة الدولة.
ولا يمكن فصل مستقبل البيت الشيعي عن المتغيرات الإقليمية والدولية، في ظل التنافس الأميركي الإيراني، وتنامي أدوار تركيا ودول الخليج والدول العربية، إلى جانب تداعيات الحرب في غزة والتوترات المتصاعدة في المنطقة. إلا أن العامل الخارجي لا يفسر وحده الخلافات القائمة، التي تعكس أيضاً اختلافاً في الرؤى حول مستقبل الدولة العراقية، بين من يدعو إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومن يرى استمرار الحاجة إلى معادلات القوة الحالية، ومن يحاول الجمع بين الاتجاهين.
وفي ظل هذه المعادلات، يبدو أن مستقبل «البيت الشيعي» يتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل، قد تستمر فيها التحالفات المرنة والخلافات السياسية من دون الوصول إلى صدام شامل، أو قد تظهر قوى وكتل جديدة أكثر وضوحاً في برامجها، تنتقل فيها المنافسة من الاصطفافات التقليدية إلى المشاريع السياسية والاقتصادية.
وفي المحصلة، فإن مفهوم «البيت الشيعي» يمر بمرحلة إعادة تعريف. فقد انتهت إلى حد كبير مرحلة الوحدة التي فرضتها الضرورات الأمنية والسياسية، وبدأت مرحلة التنافس على إدارة الدولة. ولن يتحدد مستقبل هذا البيت بمن يمتلك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع تقديم نموذج حكم أكثر كفاءة واستعادة ثقة الشارع.
فاستمرار النفوذ السياسي لن يتحقق بالتحالفات وحدها، بل ببناء مؤسسات قوية واقتصاد منتج وقضاء مستقل وإدارة ناجحة للدولة. وإذا نجحت القوى السياسية في الانتقال من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء الدولة، فقد تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار. أما إذا بقيت أسيرة الحسابات الفئوية والصراعات الداخلية، فقد يتحول «البيت الشيعي» من عنوان جامع إلى مجرد وصف لمرحلة سياسية مضت، بينما تتشكل على أنقاضه معادلات عراقية جديدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتقوم على الأداء والبرامج والشرعية الشعبية


