الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
16°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عاشوراء عبرةٌ لمن يعتبر

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى: {وتلك الأيام نُداولها بين الناس} سورة آل عمران.
وقال تعالى أيضًا:{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا وإن الله لمع المحسنين} سورة العنكبوت.
مع مرور الأيام وكر الشهور وتوالي الأعوام لا نزال نتذكر عاشوراء ،وتعود علينا ذكريات أحداثٍ جرت في هذه المناسبة ،كان من أبرزها استشهاد الإمام العظيم سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام.
لقد حصلت في عاشوراء أحداثٌ أخرى ،ولكن جاء بعد كل ذلك استشهاد الإمام الحسين، فكان حدثًا بارزًا صرف الأنظار وحوَّل الأبصار إلى ما جرى على الحسين وأهل بيته وأنصاره وأصحابه ،حتى صار أكثر الناس إذا ما قيل عاشوراء تنصرف أذهانهم إلى ما جرى على الحسين عليه السلام ،وأخبار عاشوراء في كتب التاريخ مسطورةٌ ينظرها من مصادرها من أراد الوقوف على تلك الحقائق التي ما زالت تعتصر لها القلوب أسًى وحُرقةً وأنّى لقومٍ أن تُطاوعهم نفوسهم بالتَّعرض لإمامٍ كالحسين العظيم ونظرًا لتوفُّر المادةِ التاريخية في هذا الخصوص ،لا سيما وقد سبق وكتبنا في ذلك ومر فيها الكلام في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء ،نكتفي ببعض التأمل في أحداث عاشوراء لنستفيد منها الدروس والعبر لتكون لنا نورًا ونبراسًا في زمنٍ طالما نعاني فيه من الظلم والفساد والعدوان ،وقد بتنا كقصعة الطعام على مائدة اللئام ،يتجاذب اللحم فيها لئيمٌ وآخرُ ،كلٌ يريد أن يملأ بطنه الكبير وإزاء ذلك نقول:
إن ما تعرَّض له الإمام الحسين كان حدثًا مأساويًا بكل معنى الكلمة، وقد أوضحت صورة هذا الحدث الطبائع العدوانية الكامنة في نفوس كثيرٍ من البشر، والتي لا تلبث أن لا تتردد في التمرد ولو على أهل الخير والفضل، ولو كانوا من الذين أحسنوا إليها إحسانًا عظيمًا وفي هذا المعنى صرَّح المتنبي قديمًا بقوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا
وقال بعضهم:
وجلُّ الناس خدَّاعٌ وجانٍ وابن خدَّاع
يعيثون مع الذئب ويبكون مع الراعي،
ولكن التاريخ يحفظ في طيَّاته الفضائل والمساوئ وكل ظالمٍ له موقفٌ يوم القيامة ،لن يخلفه ويصح القول: إن ما جرى على الحسين دليلٌ على هوان الدنيا وحقارتها فجديرٌ بالعاقل أن لا ينخدع بها ولا يركن إليها ولا يطمئن لها، ومن هنا فحريٌ بمريد رضا الله تعالى ،أن لا يبيع المبادئ بالمواقع وأن يصبر على نوائب الزمان مهما جرى رغبةً في ثواب الله تعالى ،وما عند الله خيرٌ وأبقى للأبرار، ومن كان يريد الفوز بجنة الله العالية اتقى الله في مدة حياته الدنيوية الفانية ،فإن السلامة في الدين لا يعدلها شىءٌ ولكل مغترٍّ بمنصبٍ أو متاعٍ أو ساعٍ لنيل حظٍ دنيويٍ قليل نقول:
أمامك التاريخ كَتَب سيرة الحسين بأحرفٍ من نورٍ عِلمًا أنه لم يكن ملكًا ولا وزيرًا بل كان عَلمًا من أعلام الهدى ومن رزقه الله الهداية الكاملة فقد أراد به خيرًا عظيمًا فإن الفوز فوز الآخرة.
إن الحقيقة التي لا ينكرها المنصفون أن الحسين كان علمًا من أعلام الدين وإمامًا من أئمة الهدى، ولم يخرج ثائرًا لأجل غرضٍ دنيويٍ رخيصٍ ولا بقصد طلب الزَّعامة والرِّياسة إذ ليس الحسين نكرةً في الناس وهو من هو فضلًا ونسبًا بل كان خروجه في سبيل الله يرجو الإصلاح في شأن الأمة ما استطاع. فنفذت فيه مشيئة الله الذي لا رادَّ لمشيئته.
لقد استشهد الحسين فكانت شهادته فخرًا وبطولته نورًا يشعُّ في ظلام الليل الحالك، وبَالغَ الظَّلَمةُ في بغيهم وتنكيلهم بالإمام وبأهل بيته الكرام فلم يُراعوا حُرمة من ظلموا كأن قلوبهم الصخر أو أشد قسوة فما ضرَّ الشمس دخان نيران المزابل، وأما سقُوط الأبطال في ميدان الدعوة إلى الله تعالى فلا بد منه وهذه سنة الله في الدُّعاة إلى التزام دينه وما شرعه لهم من الحق المبين، وكلٌ سيمضي على حالٍ يُفضي عليها يوم القيامة وهناك يُنتَصفُ للمظلوم من الظالم ويجزي الله الناسَ الجزاءَ العادل، وأما نحن فتبقى لنا العبرة على توالي الأجيال، تلك العبرة المستمدة من تلك الأحداث التي طالت ذاك الإمام الهُمام الذي لو أردنا بسط الكلام في مآثره وفضائله لكلَّت الأقلام ونفدت الصحف وقد مضت مقالاتٌ في ذكر بعض فضائله فلينظرها من شاء.
هوان الدنيا
إننا نتعلم من خلال ما جرى على الإمام الحسين أن الدنيا لا تدوم ولا تصفو لأحدٍ، وأنت ترى أحيانًا ظالما شريرًا لا يحفظ عهدًا ولا يُراعي حقًا يعتدي على الناس ويعيث في الأرض فسادًا وهو في سلطانه ممتنعٌ بمن حوله فلا يصل إليه ولا ينتصف منه المظلوم، وقد مضى في التاريخ جبابرةٌ كفروا بالله وبأنبياء الله وغرَّهم ما هم فيه من الملك فطغَوْا وبَغَوْا وضلُّوا وأضلُّوا وصفا لهم الملك، ورأينا بمقابل ذلك أناسًا ظُلموا واضطُهدوا فمنهم من قُتل ومنهم سُجن أو نُفي وعُذِّب وما نال من ظالمه ولا انتصف في دنيا حقيرةٍ، فالحمد لله أن جَعل يومًا يُجمع فيه الأولون والآخرون ويفصل اللهُ بين الناس وهو أحكم الحاكمين، وقد خاب هناك من حمل ظلمًا.
وحيث كان هذا حال الدنيا وهو مصداق ما رواه ابن ماجه عن سهل بن سعدٍ قال: “كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحُليفة (الموضع المعروف اليوم بآبار علي) فإذا هو بشاةٍ ميِّتةٍ شائلةٍ برجلها (رافعة رجلها) فقال: أترون هذه هَيِّنةً على صاحبها فوالذي نفسي بيده (معناه أُقسم بالذي نفسي تحت قدرته وهو الله تعالى) للدُّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها قطرةً أبدا”.
فمن علم هذه الحقيقة فليتعظ وليوطِّد نفسه على الصبر على البلاء فعن مصعب بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن ابيه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه ،فإن كان دِينُه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتُلي على قدر دِينه ،فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئةٌ” رواه الترمذي. معناه: يُبتلى فيصبر فيغفر الله له بصبره ،حتى تذهب خطاياه.
والحمد لله أولًا وآخرا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...