رغم غيابه الرسمي، بقي لبنان يخيّم على أجواء القمّة… غائبًا عن الطاولة، حاضرًا في الخطاب والقلق والذاكرة الجماعية للمنطقة.
لم يكن من بين الوفود المشاركة في قمة شرم الشيخ، لكنّ اسمه لم يغب عن الهمّ العام. فكل نقاشٍ عن سلام الشرق الأوسط يعيد التذكير بهذا البلد الصغير الذي يعيش منذ عقود على تماسّ مع الصراع، يدفع ثمن موقعه وتاريخه، وينتظر بصمتٍ خبرًا عن تسويةٍ لا يكون ضحيتها أو تفصيلاً هامشيًا فيها.
البيان الختامي تحدّث عن “التزامٍ تاريخيّ” بتنفيذ اتفاق السلام الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أنه أنهى أكثر من عامين من المعاناة في غزة، وفتح بابًا لـ “الأمل والأمن والازدهار”. غير أنّ اللبناني الذي يقرأ هذه العبارات يشعر وكأنها تمرّ بمحاذاة أرضه دون أن تلامسها. فكيف يمكن التبشير بسلامٍ شامل ولبنان ما زال يتخبّط بين انهيارٍ اقتصادي خانق وحدودٍ معلّقة على احتمالات التصعيد؟
اللافت أنّ الرئيس ترامب، في كلمته من إسرائيل، لم يُغفل الإشارة إلى لبنان، مؤكدًا أنّ “السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يكتمل من دونه”. جملةٌ مقتضبة، لكنها تختصر مأزق لبنان الأبدي: حاضر دائمًا في الحسابات، لكنه نادرًا ما يُستشار في القرارات. ملفٌّ يُتداول أكثر مما يُسمَع صوته، ودولةٌ تُستحضر كرمزٍ لا كشريك.
وبين خرائطٍ تُرسم من واشنطن إلى الخليج، يبدو لبنان عالقًا في منطقة رمادية بين زمن الحروب التي لم تُطوَ صفحاتها بعد، وزمن السلام الذي لم تُفتَح أبوابه أمامه. فالقمة التي بشّرت بعصرٍ جديد من “الاستقرار والفرص” لم تتطرّق إلى الأزمات التي تلتهم لبنان — من الانهيار المالي إلى العجز السياسي والتفكك الاجتماعي.
لكن الغياب لا يعني الغفلة. فلبنان، مهما حاول العالم تجاوزه، يبقى المرآة التي تعكس هشاشة المنطقة بأسرها. وكل سلامٍ لا يراعي واقعه، مهدّد بأن يبقى حبراً على ورق.
ربما لا يحتاج لبنان إلى أن يُستَحضَر في قمم الآخرين بقدر ما يحتاج إلى أن يعقد قمّته الخاصة — مع ذاته أولاً، بحثًا عن سلامٍ داخليٍّ يُعيد له القدرة على أن يكون طرفًا، لا هامشًا، في مشهد السلام المقبل.


