الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} سورة الأحزاب.
قد جعل الله تعالى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أسوةً أي قدوةً حسنةً بل هو خير وأحسن قدوةٍ لمن أراد الترقي والفلاح في الدارين، وجعل ربنا تعالى طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم طاعةً له قال تعالى:{من يطع الرسول فقد أطاع الله} سورة النساء. وما أحوجنا في هذا الزمان بل وفي كل زمانٍ إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف لا وهو العظيم وكل ما فيه عظيم وقد أثنى عليه خالقه عز وجلَّ فمدحه بالخُلق العظيم، قال تعالى:{وإنك لعلى خُلقٍ عظيمٍ} سورة القلم. وفي ظل ما نشهده اليوم حريٌ بنا أن نؤكد على أهمية التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر فأكثر وأن نُرسِّخ هذا في نفوس أهلنا وأبنائنا وإخواننا لنكون على مستوى المسئولية والمواجهة ولنسمو بأنفسنا في معارج الفضل فإنه لا أدب فوق أدب سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا نهج أكمل من نهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وإزاء ذلك فما معنى أن تتأسَّى بسيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟
أن تتأسَّى بسيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم معناه: أن تكون على عقيدته التي دعا إليها وجاهد لنشرها والتي هي عقيدة كل الأنبياء الكرام عليهم السلام وعقيدة أهل البيت الطاهرين والصحابة الطيبين الطاهرين أن الله تعالى لا يحويه مكانٌ ولا يجري عليه زمانٌ لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شىءٌ هو الأول بلا بدايةٍ والآخر بلا نهايةٍ لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد خلق الخير وأحبه وأمر به وخلق الشر وكرهه ونهى عنه فعَّالٌ لما يريد لا يُسئل عمَّا يفعل وهم يُسئلون وأن تؤمن أن الله تعالى أرسل جميع الأنبياء بدينٍ واحدٍ هو الإسلام قال تعالى:{إن الدين عند الله الإسلام} سورة آل عمران. وقال تعالى أيضًا:{ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} سورة آل عمران.
أن تتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم معناه: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وأن تكون عونًا لإخوانك على الخير لا عونًا على الإثم فإن الله تعالى يقول:{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} سورة المائدة. ويقول أيضًا:{كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} سورة آل عمران. وإذا ما كانت هذه الأمة خير أمةٍ أُخرجت للناس فإن نبيها محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خير نبيٍ بعثه الله تعالى، فأن تتأسَّى به معناه: أنك تقتدي بخير خلق الله قاطبةً فإن لزمت نهجه وعملت بسنته كنت من الذين قال الله تعالى فيهم:{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصِّديقين والشهدآء والصَّالحين وحَسُن أولئك رفيقًا} سورة النساء. فاقتد بنبيك الكريم فإن أولى من ينبغي أن يُقتدى به هو نبينا صلى الله عليه وسلم وانظر سيرته في نفسه وأهله وجيرانه وأصحابه وأعدائه فقد حفظ الصحابة الكرام كل ذلك ونقلوا إلينا كثيرًا من عاداته وأخلاقه، نقلوا إلينا صفة مشيه ونومه وضحكه وكلامه ومزاحه وعبادته وجهاده ورضاه وغضبه وكان لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها إنما يغضب لله فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىءٌ حتى ينتصر لله وكان صلى الله عليه وسلم عظيمًا في كل شىءٍ، كان عظيمًا في صباه في ديار بني سعدٍ عند مرضعته حليمة السعدية فعمَّ السعد ديار بني سعدٍ وعظيمًا في شبابه فلم تُعرف عليه كذبةٌ ولا رذيلةٌ ولا شائبةٌ بل عرف بالأمانة والنزاهة والاستقامة والصدق حتى لقِّب بالصادق الأمين. رأى ما عليه أهل الجاهلية من فسادٍ وضلالٍ فهجر الأوثان والأصنام وراح يتعبَّد لله في غار حراء وهناك نزل عليه أفضل الملائكة جبريل الأمين بالوحي المبين فقام يدعو الناس إلى دين الإسلام العظيم، بدأ وحده إذ لم يكن على وجه الأرض من البشر مسلمٌ غيره وتوفي وقد جمع الله تعالى الناس حوله على قلب رجلٍ واحدٍ فهدى الله به الأمة وكشف به الغُمَّة وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور.
أن تتأسَّى برسول الله صلى الله عليه وسلم معناه: أن تكون رؤوفًا رحيمًا سمحًا متواضعًا متطاوعًا صفوحًا عطوفًا كريمًا فقد كان صلى الله عليه وسلم تأتيه البنت الصغيرة تأخذ بيده يذهب معها حيث تشاء يقضي حاجتها وقد خدمه أنس بن مالك تسع سنين ما قال له عن شىء فعله لم فعلت كذا ولا عن شىءٍ لم يفعله لِمَ لَمْ تفعل كذا وقيل له مرةً يا رسول الله لو دعوت على دَوسٍ ودَوسٌ قبيلةٌ عربية تأخر إسلامها فتهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء فقال الناس: هلكت دَوسٌ فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اهدِ دَوسًا وأت بهم مسلمين فاستجاب الله له فآمنت القبيلة ولم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم مختصةً بالبشر بل شملت حتى البهائم فقد كلَّمه الحجر وشكا له الجمل وسعى لخدمته الشجر وكل هذا ثابتٌ من معجزاته صلى الله عليه وسلم في كتب أهل العلم ويطول في تفصيله الكلام وإن كانت لتأتيه الهرة فيُصغي (يُميل) لها الإناء كي يسهُل عليها الشرب فتبارك من قال فيه:{ومآ أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} سورة الأنبياء. وقال أيضًا:{الله أعلم حيث يجعلُ رسالته} سورة الأنعام.
وكم هو حريٌ بنا أن نُبرز للناس شمائل ومناقب وخصال وفضائل سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فلنا في سيرته نبراسٌ وهَّاجٌ ومصباحٌ منيرٌ يضيء السبيل للمسترشدين في عصرٍ فُتن فيه كثيرٌ من الناس لا سيما الناشئة بمشاهير الفاسدين والمفسدين في الأرض وأعرضوا عن كثيرٍ مما فيه خيرهم وفلاحهم وصلاح أمرهم ولهؤلاء نقول: من كان يروم الشرف في الدارين فلن يجد ذلك في غير نهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم والحمد لله أولًا وآخرًا.


