في بلد أنهكه الفساد حتى العظم، لا يُفاجئ اللبناني كثيرًا حين يسمع عن توقيفات أو تحقيقات تطال شخصيات عامة. لكن ما يعجز عن قبوله هو أن يبقى الفقير هو الخاسر الوحيد دائمًا، وأن تُسرق لقمته فيما تُرفَع الشعارات عن النزاهة والمحاسبة والشفافية.
نعم، بدأت التوقيفات. وتلك خطوة مهمّة، ولو جاءت متأخرة. لكن من الضروري أن نتذكّر: الموقوف ليس مذنبًا حتى تثبت إدانته. العدالة لا تُبنى على الشائعات، ولا تُنتزع بالثأر. نحن لا نطلب الانتقام، بل الحقيقة، والمحاسبة العادلة، وإنصاف الناس الذين تعبوا، الذين دُفعوا ثمنًا لكل هذا الفساد المتراكم.
اللبناني مظلوم، لا لأن الفساد موجود فقط، بل لأن المحاسبة نادرة، والمساءلة غالبًا انتقائية. السؤال ليس فقط: “من التالي؟”، بل: هل ستُكمل الدولة هذا المسار بشفافية وشجاعة؟ وهل سنرى يومًا عدالة لا تفرّق بين كبير وصغير، بين محميّ وغير محميّ؟
كثيرون ممن وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يتعاملوا معها كأمانة، بل كفرصة. فرصة للنفوذ، للكسب، للتموضع… وأحيانًا، للاستفادة المبطّنة من المنصب. والأخطر، أن بعضهم فعل ذلك تحت غطاء الشهرة أو الثقة العامة.
أحد الزملاء روى لي، يومًا، كيف عُرض عليه مبلغ مالي بعد مقابلة أجراها. رفض بهدوء، لأنه لم يستطع أن “يبلعها”، كما قال. ضميره لم يسمح له أن يساوم على مهنيته، حتى لو كان الأمر مغلفًا بـ”الشكر والتقدير”. وتلك حالات قليلة، لكنها تستحق أن تُروى، لأنها تُذكّرنا أن الضمير لم يمت بالكامل.
مثل هذه المواقف، رغم قلتها، تضيء وسط العتمة
الفساد في لبنان ليس جديدًا، ولا محصورًا في ملف أو شخص أو طائفة. إنه منظومة متشابكة، تسللت إلى الإدارات، والمجالس، والمناقصات، والمجاملات اليومية. ولهذا فإن أي خطوة نحو المساءلة، ولو كانت خجولة، تبقى أفضل من الصمت.
لكن المطلوب اليوم أكثر من توقيفات. المطلوب مسار واضح، عادل، وشفاف. المطلوب أن يشعر اللبناني أن هناك من يحمي حقه، لا من يحاصره حين يطالب بلقمة عيشه أو علاجه أو تعليمه
الناس تريد الأمل، لكن ليس الكلام المعسول. تريد العدالة، لكن لا عدالة بلا جرأة


