السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين واشنطن وطهران: شدّ وجذب يُثقل كاهل الداخل

كارولين ياغي

يجد اللبناني نفسه، مرة تلو الأخرى، يعيش فوق خط تماس غير منظور، لا يُخطّ بالمدافع والدبابات، بل بخيوط شدّ وجذب إقليمي تمتد من واشنطن إلى طهران وتنعكس بالضرورة في بيروت. والنتيجة؟ يوميات مثقلة بالانتظار، وبلد صغير يبقى أسير معادلات تفوق حجمه.
اليوم، يبدو لبنان كمرآة تُظهر موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. كل تصريح سياسي، وكل عقوبة مالية، وكل تقدّم أو تعثّر في الملف النووي يترك بصمته هنا: في ثبات هشّ لسعر الصرف عند عتبة مرهقة، في استحقاقات سياسية تُرحَّل من موعد إلى آخر، وفي فراغ مؤسساتي يتسع يوماً بعد يوم. وكأن الداخل اللبناني تحوّل إلى شاشة تُعرض عليها مباراة طويلة لا أحد يعرف متى يُطلق صافرة نهايتها.
المفارقة أنّ اللبنانيين اعتادوا هذا الأمر، في المقاهي والبيوت، وحتى في نشرات الأخبار، تُختزل السياسات الكبرى إلى سؤال بسيط: إلى أين تتجه العلاقة بين واشنطن وطهران؟ فالجواب، كيفما كان، كفيل بأن يحدد شكل الحكومة المقبلة، أو مصير الاستثمارات الموعودة، أو حتى سقف التوتر الأمني في الجنوب وعلى الحدود.
لكن خلف هذه الصورة يظلّ الإحباط يتراكم. كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى الحد الأدنى من الاستقرار أن يعيش أسيراً لتفاهمات خارجية؟ وكيف لشعب أرهقته الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي أن ينتظر تفاهمات لا تُبرم إلا في عواصم بعيدة؟
لبنان ليس بمنأى عن مسؤوليته في ما يعيشه، فداخله مكشوف أمام الخارج منذ عقود، وتشابك تحالفاته السياسية يجعل أي تغيير في الموقف الأميركي أو الإيراني ينعكس مباشرة على مواقف الداخل.
وهنا يظهر الإشكال: بلد يحتاج إلى قرار حرّ، بينما طبقته السياسية تستمد حضورها من الخارج أكثر مما تستمده من الداخل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الشارع اللبناني ما زال يحتفظ بحيويّة مختلفة، بعيدة عن حسابات القوى الكبرى. فشباب يسعون إلى الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، وآخرون يغامرون بإطلاق مشاريع صغيرة وسط الركام، فيما عائلات تتشبث بيومياتها رغم الغلاء وانهيار الخدمات. هؤلاء وحدهم يجسّدون “الوجه الآخر” للبنان: بلد يرفض أن يتحوّل كلياً إلى ورقة على طاولة المساومات.
الرهان اليوم لا يقتصر على انعكاسات الصراع الأميركي–الإيراني، بل على قدرة لبنان أن يلتقط أنفاسه وسط العاصفة. فهل يتمكن يوماً من فرض إيقاعه الخاص، أم يظلّ ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين؟
سؤال معلّق، تماماً كما كل شيء في هذا البلد.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...