الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين واشنطن وطهران: شدّ وجذب يُثقل كاهل الداخل

كارولين ياغي

يجد اللبناني نفسه، مرة تلو الأخرى، يعيش فوق خط تماس غير منظور، لا يُخطّ بالمدافع والدبابات، بل بخيوط شدّ وجذب إقليمي تمتد من واشنطن إلى طهران وتنعكس بالضرورة في بيروت. والنتيجة؟ يوميات مثقلة بالانتظار، وبلد صغير يبقى أسير معادلات تفوق حجمه.
اليوم، يبدو لبنان كمرآة تُظهر موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. كل تصريح سياسي، وكل عقوبة مالية، وكل تقدّم أو تعثّر في الملف النووي يترك بصمته هنا: في ثبات هشّ لسعر الصرف عند عتبة مرهقة، في استحقاقات سياسية تُرحَّل من موعد إلى آخر، وفي فراغ مؤسساتي يتسع يوماً بعد يوم. وكأن الداخل اللبناني تحوّل إلى شاشة تُعرض عليها مباراة طويلة لا أحد يعرف متى يُطلق صافرة نهايتها.
المفارقة أنّ اللبنانيين اعتادوا هذا الأمر، في المقاهي والبيوت، وحتى في نشرات الأخبار، تُختزل السياسات الكبرى إلى سؤال بسيط: إلى أين تتجه العلاقة بين واشنطن وطهران؟ فالجواب، كيفما كان، كفيل بأن يحدد شكل الحكومة المقبلة، أو مصير الاستثمارات الموعودة، أو حتى سقف التوتر الأمني في الجنوب وعلى الحدود.
لكن خلف هذه الصورة يظلّ الإحباط يتراكم. كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى الحد الأدنى من الاستقرار أن يعيش أسيراً لتفاهمات خارجية؟ وكيف لشعب أرهقته الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي أن ينتظر تفاهمات لا تُبرم إلا في عواصم بعيدة؟
لبنان ليس بمنأى عن مسؤوليته في ما يعيشه، فداخله مكشوف أمام الخارج منذ عقود، وتشابك تحالفاته السياسية يجعل أي تغيير في الموقف الأميركي أو الإيراني ينعكس مباشرة على مواقف الداخل.
وهنا يظهر الإشكال: بلد يحتاج إلى قرار حرّ، بينما طبقته السياسية تستمد حضورها من الخارج أكثر مما تستمده من الداخل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الشارع اللبناني ما زال يحتفظ بحيويّة مختلفة، بعيدة عن حسابات القوى الكبرى. فشباب يسعون إلى الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، وآخرون يغامرون بإطلاق مشاريع صغيرة وسط الركام، فيما عائلات تتشبث بيومياتها رغم الغلاء وانهيار الخدمات. هؤلاء وحدهم يجسّدون “الوجه الآخر” للبنان: بلد يرفض أن يتحوّل كلياً إلى ورقة على طاولة المساومات.
الرهان اليوم لا يقتصر على انعكاسات الصراع الأميركي–الإيراني، بل على قدرة لبنان أن يلتقط أنفاسه وسط العاصفة. فهل يتمكن يوماً من فرض إيقاعه الخاص، أم يظلّ ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين؟
سؤال معلّق، تماماً كما كل شيء في هذا البلد.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...