قال المبعوث الأمريكي توم باراك, في منتدى حوار المنامة:” إن لبنان دولة فاشلة تعاني من أزمات سياسية واقتصادية عميقة”، مضيفاً أن “الجيش اللبناني يواجه نقصاً في الموارد المالية والبشرية”.
لكن، مهلاً يا سيد باراك، من الذي يحق له أن يتحدث عن الفشل؟ أهو ذاك الذي يراقب من بعيد ،ويكتفي بإطلاق الأحكام، أم ذاك الذي يصمد يومياًعلى الرغم من العجز، ويواصل الحياة فوق ركام الانهيارات؟
الفاشل في جوهر الأمر هو من يُسقط عجزه على غيره. أمّا الفشل الحقيقي فليس في وطنٍ ينهض أبناؤه كل صباح ليواصلوا حياتهم وسط العواصف، بل في دولةٍ كبرى ما زالت، رغم جبروتها ونفوذها، عاجزة عن تحقيق سلامٍ واحد في هذا العالم.
الولايات المتحدة، التي احتجزت أموال الشعوب، وأوقفت مسارات التفاهم في لبنان وسورية ، وأخفقت في إنجاز أي حلّ منصف في المنطقة، لا تمتلك شرعية توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين. فتعثّرها في لجم العدوان الإسرائيلي، وعجزها عن فرض منطق سلام عادل، يفضح بجلاء أن موطن الفشل الحقيقي هناك، في واشنطن، لا هنا في بيروت.
أما أنت، يا سيد باراك، فلم تترك زيارتك للبنان أي أثر يُذكر سوى جلسات” التبولة والحمص. “جئت لتتحدث عن فشلنا، بينما أنت فشلت بشكل واضح في فهم هذا البلد، في قراءة نبضه وحياته، وفي إدراك طاقته وكرامته وقدرته على الصمود على الرغم من كل شيء.
نحن لسنا دولة فاشلة، بل وطن مثقل، مرهق، محاصر، ومع ذلك نحن أحياء. ندير عجزنا بإصرار، ونستمر في الحياة على الرغم من الموت الاقتصادي والسياسي الذي حاول العالم فرضه علينا.
أما مساعدتك، مورغان أورتاغوس، فربما كانت أكثر لطفاً منك، وأكثر صدقاً في حضورها. على الأقل أظهرت وجهاً جميلاً وهي تتحدث، ولم تُخفِ خلف الكلمات تلك النظرة المتعالية التي تُخفي فشل إدارة بأكملها في فهم الشرق، وفهم معنى الكرامة حين تُنتزع من بين الركام.
الفاشل، يا سيد باراك، ليس من ينهض كل يوم في بلدٍ مثقل بالديون والقيود، بل من يمتلك مفاتيح القوة والمال والنفوذ، ولا يعرف كيف يفتح بها باباً واحداً نحو السلام.
الفشل الحقيقي هو من يرفع شعار الديمقراطية وهو يدعم الاستبداد، ويغني عن الحرية بينما يقمع الأصوات، ويُحاضر في الاقتصاد بينما يفرض العقوبات ويجوع الشعوب بلقمة عيشها.
لبنان ليس دولة فاشلة. إنه وطن يتنفس من عنق الزجاجة ، لكنه يخلق الحياة على الرغم من الحصار، ويعيد بناء نفسه من الرماد في كل مرة.
أما الفشل الحقيقي، فهو عجزك أنت ومن تمثل عن رؤية هذه الحياة، عن فهم أن الضعف لا يعني الموت، وأن الكرامة لا تُقاس بأرقام البنك الدولي، بل بقدرة الناس على الصمود، وعلى الحب، وعلى الضحك حتى في أحلك الظروف
فيا سيد باراك، قبل أن تتهمنا بالفشل، انظر في مرآة بلادك.
ففيها فشل السلام، وفشل العدالة، وفشل الضمير الإنساني.
أما نحن، ففي فشلنا حياة، وفي وجعنا نبض وطنٍ لا يعرف الاستسلام.


