الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} سورة البقرة .
قال الطبري في “تفسيره”: “إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة” وهذا شاملٌ للتَّطهر من الجنابة والحيض والنفاس.
لقد أمر الإسلام بالنظافة وأكَّد نبينا صلى الله عليه وسلم عليها تأكيدًا بالغًا وإن اعتناء الإسلام بالنظافة شاملٌ لنظافة الخُلُق والبدن والثوب، وشاملٌ كذلك لنظافة النفس بسلامة القلب من الأدواء المهلكة والبدع المردية، وذلك بالثبات على المعتقد الحق الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن كان يؤمن بالقرآن والحديث فليقف عند قول الله تعالى:{أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكَّرون} سورة النحل. وقوله {ليس كمثله شىء وهو السميع البصير} سورة الشورى. وعند قول نبينا صلى الله عليه وسلم: “لا فكرة في الرب” رواه الدَّارقطني عن أُبيّ بن كعب. حيث دلَّ الكتاب والسنة على تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة وعن مماثلة المخلوقين تنزيهًا صريحًا، فمن طهَّر نفسه بالإيمان جديرٌ به بعد ذلك أن يترقَّى في مراتب الفضل فيُجمِّل نفسه بنظافة الأخلاق وما يتبع ذلك من تعهّد البدن والثوب بما ينبغي، فأما نظافة الأخلاق فإنما تكون بالتزام مكارم الأخلاق، ويتلخَّص ذلك بثلاثة أشياء:
أولها الصبر على أذى الناس، وثانيها كفُّ الأذى عن الناس، وثالثها بذل المعروف مع من يعرفه لك ومن لا يعرفه.
ولا شك أن كل خصلة من هذه الخصال يحتاج صاحبها إلى قهر نفسه لإرغامها على التحلِّي بهذه الصفة، ويُعين على ذلك أن ينظر المؤمنُ في سيرة أشرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتدي به فقد كان عليه الصلاة والسلام يبذُل المعروف ويصبر على الأذى، وقد حورب وقوتل وأصيب وجُرح، وقتل المشركون كثيرًا من أصحابه الأطهار وتآمروا لقتله وأخرجوه من مكة إلى غير ذلك مما يطول ذكره وهو صلى الله عليه وسلم صابرٌ متوكلٌ على ربه واثقٌ بنصر الله حتى منَّ الله تعالى عليه بفتح مكة فدخلها منصورًا والجيوش المباركة تحت رايته فقال: “ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ فقالوا: “خيرًا أخٌ كريم وابن أخٍ كريم” فقال كلمته التي ما زال التاريخ يردد صداها عبر الأجيال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
فما أعظم هذه الأخلاق وسبحان من قال فيه:{وإنك لعلى خُلقٍ عظيم} سورة القلم،
وما أحوجنا ونحن في هذا الزمان العصيب أن نتأسى بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ونوطّد أنفسنا على الالتزام بالأخلاق النظيفة.
ومن دلائل حُسن الخُلق في النفس التواضع لمن هم دونك في الشأن وإيثار إخوانك عليك في أمور الدنيا فتعاونهم بالمال وحاجاتهم والتطاوع مع الأصحاب في الخير وعدم إظهار الشماتة عند المصائب فعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما شىءٌ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حسنٍ وإن الله ليُبغضُ الفاحش البذيء” رواه الترمذي.
والبذيء الفاحش الذي لا يُبالي ما يصنع”
نظافة البدن والثوب
ومن هنا فإننا ندعو إلى التحلِّي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وجديرٌ بمن التزم نظافة الأخلاق أن يحرص أيضًا على نظافة البدن ونظافة الثوب وهذا ما أكد عليه ديننا الحنيف تأكيدًا بالغًا، ومن أدل ما يدل على ذلك أنه قد جاءت الشريعة الغرَّاء بإيجاب الغسل في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، وإيجاب الوضوء كذلك في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، فمن ذلك مثلًا: أنه يجب الاغتسال من خروج المني والجماع والحيض والنفاس والولادة، بل أمر الشرع كذلك بالاهتمام بنظافة المؤمن بعد الموت فيجب غسل المؤمن إذا مات إلا الشهيد.
ويسن الاغتسال للجمعة والعيدين وعند إرادة لقاء الناس وللمغمى عليه إذا أفاق وفي أحوال أخرى ذكرها الفقهاء. كما يجب الوضوء للصلاة والطواف بالكعبة ومس المصحف. ويسن الوضوء عند النوم وعند الغضب وفي أحوالٍ أخرى ذكرها الفقهاء أيضًا، وما زالت هذه الأحكام شاهدًا على رُقي الشريعة ونصاعة ما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم وحثَّ أمته عليه في زمنٍ كانت تغرق فيه أممٌ كثيرةٌ في مستنقعات الجهل والوسخ وتعتقد أن تعهّد البدن بالنظافة رجسٌ وداءٌ يجلب الأمراض والأوبئة للجسد، فعن سعد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله نظيفٌ يحب النظافة” رواه الترمذي. ومعنى “الله نظيف” منزهٌ عن كل ما لا يليق به كالتغيّر والتّطور والانتقال وكل ما كان من صفات المخلوقين. وقوله “يحب النظافة” شاملٌ لنظافة الخُلق والبدن والثوب. وروى الترمذي عن سعدٍ أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نظِّفوا أفنيَتَكم”(جمع فِنَاء وهو المتسع أمام الدار) وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا عمر بن الخطاب يلبس ثوبًا نظيفًا فأثنى عليه، ففي “السنن الكبرى” للنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبًا فقال:” أجديدٌ هذا أم غسيل قال:غسيل قال: البس جديدًا وعش حميدًا ومُت شهيدًا” فكان عمر كذلك.
وليس تعهّد البدن والثوب بالنظافة من الكِبر المنهي عنه، فعن عبد الله بن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة ( أي مع الأولين أي يستحق العذاب) من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْرٍ، قال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسَنًا ونعلُهُ حسَنةً. قال: إن الله جميلٌ (محسنٌ) يحب الجمال(جَمال الصفات) الكِبرُ بَطَرُ الحق(ردّ الحق على قائله) وغَمطُ الناس(استحقار الناس) رواه مسلم.
قال ابن فورك في “مشكل الحديث وبيانه” “اعلم أن وصفنا الشىء بأنه جميل يحتمل وجهين: أحدهما أن يُراد به جمال الصورة والهيئة والتركيب وذلك بأن يستجمله الناظر إليه وذلك مستحيلٌ في وصف الله منفيٌ عنه والوجه الثاني من الإجمال المضاف إلى الله عزَّ وجل وهو بمعنى الإحسان والفضل أي وهو المظهرُ النعمةَ والفضل”.
وفي”الإحياء” للغزالي:”ولفظ الجَمَال قد يُستعار أيضًا لها (أي لمعاني العظمة وعلو الرتبة) فيقال إن فلانًا حسنٌ وجميل ولا تُراد به صورته وإنما يعني به أنه جميلُ الأخلاق محمود الصفات حسن السيرة حتى قد يُحَبُّ الرجلُ بهذه الصفات الباطنة استحسانًا لها” فليعلم هذا وليحذر من التأويلات الفاسدة.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


