الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير} سورة الإسراء.
كم وكم من أحداثٍ وأخبارٍ طواها الزمان المديد فلم تصل إلينا بل كم غابت في غياهب الماضي البعيد أسماءٌ طالما كان لأصحابها شأنٌ عظيمٌ وكم طوت الأرض أقوامًا انقرضوا وطُمست سيرهم حتى كأنهم ما عاشوا يومًا من الدهر فكم من ملوكٍ وأمرآء كأنهم ما ملكوا ولا تأمروا ولا يزال الليل والنهار يعملان في الناس إقبالًا وإدبارًا حتى تنقضي الدنيا ويفنى أهلها ولكن لا تنسى الأمة رغم كل ذلك فضل وعظمة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا تنسى ذكرياته العظيمة ولو بعد ألفٍ أو ألفين أو ألوفٍ من السنين ومخطئٌ من ظن أن الأعوام تمحو من القلوب تعظيم رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم والشوق إليه وإحياء ذكراه بل لا يزال حب وعشق هذا النبي الأفخم المفخَّم يتجدد في نفوس المؤمنين الصادقين مع شروق شمس كل يومٍ وغيابها ولا تزال أفئدتهم تواقةً لسماع سيرة وأخبار خير البشر وأفضل المرسلين لترتوي من معين أخباره وتستنير بأنوار تعاليمه السامية لا سيما في زمنٍ اشتدت فيه الظلمات وادلهمت وعصفت فيه الفتن واتسع الخطب على الراقع فما أحوجنا إزاء ذلك إلى النظر في سيرة هذا النبي الأكرم بل وكل الأنبياء عليهم السلام
نحن نوقن كما كان يوقن كل المؤمنين قديمًا وحديثًا ومنذ زمن آدم عليه السلام بل وما قبل زمن آدم كما توقن الملائكة المقرَّبين أن جاه وفضل ونفع وبركة الأنبياء عليهم السلام لا ينقطع بموتهم ولنا على ذلك شواهد كثيرةٌ لمن يقنع ومن لم يقنع فلينطح الجبل. وإن من أقوى الشواهد على صحة ما نقول معجزة الإسراء والمعراج التي بتنا بين يدي ذكراها الكريمة.
وفي هذا المقام نقول:
إن نشر شمائل ومناقب وأخبار محمدٍ صلى الله عليه وسلم وزرع محبته في القلوب ترياقٌ للنفوس وغذاءٌ للروح وما أكثر ما خُصَّ به هذا النبي الأكرم الأعظم من فضائل فسبحان الذي قال:{الله أعلم حيث يجعل رسالته} سورة الأنعام.
وإن من جملة تلك المكارم التي سردها الزمان وهي من أعظم المعجزات الباهرة والدلائل الواضحة والتي لا زال المؤمنون يحيونها فيطربون لسماع أخبارها ويأخذون من أحداثها العبر الجمَّة والمواعظ الكثيرة بل وما زالت نبراسًا تستمد منه الأجيال تلو الأجيال معاني العظمة والرفعة والسُّمو التي جعلها الله تعالى لصفيه وحبيبه سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم معجزة الإسراء والمعراج، وحيث صرنا بين يدي هذه المناسبة الغرَّاء فنقول:
من مكة المكرَّمة أم القرى وتحديدًا من المسجد الحرام المعظَّم إلى المسجد الأقصى المبارك في فلسطين الصامدة كانت رحلة الإسراء والمعراج المشرَّفة، تلك المعجزة الباهرة التي جاءت تأكيدًا وتصديقًا لدعوة النبي العربي محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم والتي هي في ضمن سلسلة معجزات سيد السادات وإمام النبيين عليهم السلام، وما أعطى الله نبيًا معجزةً إلا وأعطى محمدًا مثلها أو أعظم منها فبهرت معجزاته الألباب وقصمت براهينه افتراء كل أفَّاكٍ كذَّاب.
إن الكلام في تفاصيل الأحداث التي جرت ليلة الإسراء والمعراج يطول ويطول ولو استرسلنا في تسطير ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وما كان من خبره مع جبريل عليه السلام لطال المقال في ذلك جدًا، ولكنني أحيل القارئ إلى مقالاتٍ سابقةٍ تكلمنا فيها بشىءٍ قليلٍ من التفصيل حول هذه المعجزة الكبرى، ولكننا مع ذلك لا بد أن ننبِّه إلى أمورٍ مهمةٍ في هذا الشأن نظرًا للحاجة الشديدة لبيان الحق في هذا الموضوع فنقول:
أولًا: لم يكن المقصود من معجزة الإسراء والمعراج الكبرى وصول نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مكانٍ ينتهي فيه وجود الله تعالى فإن الله عزَّ وجلَّ لا يحويه مكانٌ ولا يجري عليه زمانٌ وضلَّ ضلالًا بعيدًا من اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم عَرَج ليلتقي بربه تعالى فخالق المكان لا يحتاج إلى المكان وخالق السماء والعرش لا يحتاج إلى السماء ولا إلى العرش وعن علي عليه السلام قال:”إن الله خلق العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته” رواه أبو منصورٍ البغدادي في “الفَرْق بين الفِرَق”
ومن سأل عن دليلنا فلينظر في الآية أعلاه فإن الله تعالى قال:{لنريه من ءاياتنا} ولم يقل لنلتقي به وليقرأ قوله تعالى:{ولقد رءاه نزلةً اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} سورة النجم. وقوله تعالى أيضًا:{لقد رأى من ءايات ربه الكبرى} سورة النجم. وليتأمَّل فيما رواه النسائي في “السنن الكبرى” عن عبد الله بن مسعودٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”رأيت جبريل عند السدرة (سدرة المنتهى وهي شجرةٌ أصلها في السماء السادسة وتمتد إلى السماء السابعة) له ستمائة جناحٍ”. والخلاصة أن المقصود من الإسراء والمعراج تشريف النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاعه على جملةٍ من عجائب مخلوقات الله تعالى فرأى من ذلك أشياء كثيرةً يطول في سردها الكلام وقد سبق وتكلَّمنا عن شىءٍ من ذلك في مقالاتٍ سابقةٍ عن المناسبة فلينظرها من شاء.
ثانيًا: لقد كان الإسراء والمعراج يقظةً بالروح والجسد لا رؤيا منامٍ إذ لو كان ذلك منامًا لما كان في الأمر أي غرابةٍ ولما كان ذلك معجزةً أصلًا فكلنا يرى في نومه غرائب وعجائب لا تحصل في العادة، ثم إن العرب لا تصرف الكلام عن ظاهره لغير دليلٍ ولا دليل لصرف نصوص القرآن والحديث المثبتة للإسراء والمعراج عن ظاهرها، وإذا ما وصلنا إلى زمنٍ يحتمل فيه الوصول إلى القمر والكوكب فما الذي يحمل الملحدين على إنكار معجزة الإسراء والمعراج وما ذلك على الله بعزيز.
ثالثًا: إن الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى ثم العروج منه إلى السموات العلا لهو دليلٌ على مكانة المسجد الأقصى الذي كان وما زال رمزًا للأمة، وليس محلًّا للمساومة ولا سلعةً للبيع كما كامل أرض فلسطين، ولكن الأيام دُولٌ ولا بد للظلم أن يندحر. والحمد لله أولًا وآخرًا.


