ما جرى في حي وادي الذهب في حمص ليس حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا تفجيرًا يمكن اختصاره في بيان إدانة بارد. فاستهداف المصلّين داخل مسجد، في مدينة أنهكتها الحرب، فعلٌ مدروس بعناية، يحمل توقيع الفكر التكفيري، حتى لو لم يُعلن الفاعل اسمه، وحتى لو اختبأ خلف توصيفات رمادية. إنه اعتداء على الإنسان، وعلى قدسية العبادة، وعلى فكرة الدولة في آنٍ معًا.
الإرعاب لا يولد من الفراغ، ومن يختزل ما حدث في “خلايا نائمة” فقط يسيء فهم الخطر. فهذه الخلايا لا تتحرك وحدها، بل تُغذّى بخطاب، وتُحمى بصمت، وتعمل في بيئة متساهلة مع التحريض الطائفي، بل أحيانًا متواطئة معه. والأخطر من المنفّذ هو من روّج، ومن حرّض، ومن اعتبر التكفير رأيًا لا جريمة، ومن دمج هذا الفكر داخل تشكيلات عسكرية أو أمنية تحت عناوين “الواقعية” و”المرحلة الانتقالية”.
تزامن التفجير في حمص مع انفجار حرستا بريف دمشق ،لا يمكن فصله عن سياق واحد. لسنا أمام حرب شاملة، ولا “ساعة صفر” بالمعنى العسكري، لكننا بلا شك أمام مرحلة اختبار أمني خطير: اختبار لقدرة الدولة على الإمساك بالأرض، ولمدى هشاشة الداخل، وحدود الصبر الشعبي. إنها ليست حرب جبهات، بل حرب استنزاف وضغط نفسي، تُدار بالتفجيرات المتقطعة والرسائل الدموية.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل انضمام الإدارة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي ضد “داعش” بقيادة واشنطن.
هذا التحول ليس تفصيلًا سياسيًا، بل انتقالاً إلى مربع إقليمي شديد التعقيد، حيث لا تُحارب التنظيمات المتطرفة دائمًا بهدف اجتثاثها، بل كثيرًا ما يُعاد توظيفها أو يُترك خطرها عند مستوى “قابل للتحكم”. والسؤال المشروع هنا: هل المطلوب فعلًا القضاء على الإرعاب؟ أم إبقاؤه عند مستوى الفوضى المُدارة لتبرير الضغوط والتدخلات وإبقاء سورية في دائرة اللااستقرار؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عبوة ناسفة يمكن تفكيكها، أو انتحاري يمكن ملاحقته، بل في فكرٍ لم يُهزم. فكرٌ لم يُفكك ولم يُحاسب، بل جرى احتواؤه أو تدويره أو التغاضي عنه، وكأنه خطر مؤجل يمكن ضبطه لاحقًا. والتجربة أثبتت أن التكفير، إذا لم يُواجه فكريًا وقانونيًا وأخلاقيًا، فإنه ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر من الداخل.
الثمن لا يُدفع أمنيًا فقط، بل اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا. مجتمع يعيش على حافة الخوف، وثقة تتآكل بين الناس والمؤسسات، ودولة تُستنزف تدريجيًا. فالأمن لا يُقاس بعدد الحواجز ولا بحجم الانتشار، بل بقدرة الناس على الصلاة من دون خوف، وعلى العيش من دون هاجس فتنة أو انفجار.
الخلاصة واضحة: لا دولة مع التكفير، ولا استقرار مع التحريض، ولا سيادة مع فكر يستبيح الدم ثم يُترك بلا محاسبة. المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد “داعش” كاسم أو تنظيم، بل ضد الداعشية كعقيدة، وضد كل من يبرّرها أو يصمت عنها أو يعتقد أنه قادر على استخدامها ثم السيطرة عليها. فالنار التي تُستعمل كورقة سياسية، تحرق صاحبها أولًا.


