الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء إن الله عزيزٌ غفور}
لا يخفى أن في الآية الكريمة مدحًا للعلم ومدحًا للعلماء العاملين وفيها كذلك بيان أن العلماء بالله وصفاته وأحكام دينه الذين يقرِنون العلم بالعمل تحصل لهم الخشية من الله، لأن العبد عادةً إذا عرف الله خشي ربه وإذا لم يعرف لم يخش ولذلك خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بأنه أعلم الخلق بربه وأخشاهم له، فقد روى الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له” ولمَّا كان العلماء الصالحون من أعرف الناس بخالقهم كانوا أشد خوفًا لله تعالى من غيرهم من بقية الناس، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء فقد روى البيهقي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من سلَك طريقًا يطلبُ فيه علمًا سلَك الله به طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاءً بما يصنع وإن فَضلَ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينَارًا ولا درهمًا ورَّثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظٍ وافر”
وقوله: “سلك الله به طريقًا إلى الجنة” معناه: سهَّل الله له بسبب العلم طريقًا إلى الجنة أي يوفقه أن يسلك طريق الجنة.
ومعنى أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم تعظِّمه وتُوقِّره لعلمه، وهذا كقوله تعالى في الوالدين:{واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} سورة الإسراء. وقد جاء في “معالم السنن” للخطابي في معنى استغفار الحيتان للعالم “أن الله علَّم العلماء أنواعًا من المنافع والمصالح المتأتية من بعض الحيوانات فبينوا للناس ذلك وعرَّفوهم ما يحل وما يحرم منها ودلُّوهم على المصلحة والفائدة منها مع الإحسان والرفق بها فألهمها الله الاستغفار للعلماء مجازاةً على حُسن صنيعهم بها وشفقتهم عليها”
فمن تعلَّم علوم الدين فقد أخذ بحظٍ وافرٍ أي بنصيبٍ عظيمٍ من الخير، والخير كل الخير في طلب علم الدين لأنه الدليل إلى السعادة الأبدية في جنة عرضها السموات والأرض، فمن تمكَّن في العلم عرَف حقوق الله تعالى وعرَف حقوق العباد فجديرٌ به أن يحرص على تأدية كل حقٍ لصاحبه من غير أن يتستر بالدين وبالمشيخة لمآرب رخيصة.
فالعلم في الدين له ثمرةٌ على صعيد الفرد وصعيد المجتمع، فأما ثمرة ذلك على صعيد الفرد فأن يصلُح حاله مع نفسه فيحملها على الاستقامة بأن يؤدي ما أوجبه الله ويجتنب ما حرَّمه الله عليه، فيكون وقَّافًا عند حدود الشرع عارفًا لقَدْره فلا يغرُّه مديح غالٍ ولا إطراءُ كاذبٍ وإذا ما تلوَّث بمعصيةٍ يسارع إلى التوبة فورًا لأنه يتعهد قلبه كل حينٍ ولا يغفل على محاسبة نفسه، ومن أراد العمل على إصلاح المجتمع وأهمَّه ذلك فليعلم أن الطريق إلى ذلك يبدأ من العمل على إصلاح النفس، فإن استقمت استقام بك غيرك فإنه لا يستقيم الظل والعود أعوج ولكن حين أضاع كثيرٌ من أدعياء العلم هذه الحقوق ولم ينالوا الثمرة المرجوة من العلم، حيث إن العلم إنما يُطلب للعمل به فمن طلبه لا للعمل به إنما لمجرد الشهرة والفخر فقد سلك بقدميه طريق الردى، فقد روى الطبراني عن أنسٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تعَلَّم العلم ليُباهيَ به العلماء أو يُماريَ به السُفهاء أو يصرفَ به وجوه الناس إليه فهو في النار” أي من كان قصده من تحصيل العلم أن يفخر به على العلماء ويتكبَّر على عباد الله أو يجادل بما صار عنده من طلاقة اللسان لأجل حب الظهور والاشتهار بقوة الحُجة أو ليُقبل عليه الناس بالثناء والتعظيم فهو مستحقٌ لعذاب الله الشديد بسوء نيته وخُبث سريرته، فإنما ينبغي للعالم أن يُريد بعلمه رضا الله وحده فإن أخلص لربه وصفت نيته نفع الله به نفعًا عظيمًا، وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها طائفةٌ نقيةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير وكانت منها أجادب (وهي الأراضي الصُلبة التي لا نبات فيها مأخوذٌ من الجدب) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوا وزَرَعوا وأصابت منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان (جمع قاع أي الأرض المستوية الملساء) لا تُمسك ماءً ولا تُنبت كلأً فذلك مثلُ من فَقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعلَّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا (أي أعرض عنه فلم ينتفع ولم ينفع به) ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” رواه البخاري.
إذًا فالعلم إنما يُطلب ليُعمل به فيعود نفعه على من تعلَّمه وعلى غيره فتأتي ثمرة ذلك إصلاحًا على مستوى الفرد يعقُبه إصلاحٌ على مستوى المجتمع ثم إصلاحٌ على مستوى الأمة، لأن الوعي الديني يرقى بصاحبه إلى المراتب العالية فيلتزم المرء الفضائل ويتخلى عن الرذائل فلا يأكل أموال الناس ولا يغش ولا يخون الأمانات ولا يتزلف للأغنياء ويُعرض عن الفقراء وذوي الحاجات والمرضى، بل يكون ذا أخلاقٍ حسنةٍ ساعيًا في الخير لنفسه ولغيره لأنه فَهِمَ الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه” معناه لا يكون كامل الإيمان حتى يكون على هذه الصفة.
فإذا عُلم هذا فينبغي لكل صاحب شأنٍ علميٍ أن ينظر في أدائه وسلوكه لقطف الثمار المرجوة للنهوض بمجتمعاتنا إلى ذُرى الشرف، فإن علم الدين حياة الإسلام من أغفله فهو ضائعٌ تائهٌ يميل مع كل ريحٍ ويتبع كل ناعقٍ.
والحمد لله أولًا وآخرًا.


