بحثاً عن السعادة، قضت ميرا حياتها، -ولا تزال-، بل قد تكون قضت عليها، لأنها تبحث عنها في المكان الخطأ.
الأم لطفلين، لم تجد سعادتها مع شريك حياتها الأول ،فانفصلت عنه بعد زواج دام ست سنوات ،حافلة بالمشاكل والخناقات والمناكفات.
وبعد مرور أقل من سنة على طلاقها انتفضت ميرا من كآبتها، وقرّرت الزواج من آخر علّها تجد معه ضالّتها (السعادة). أعلن جواد وميرا زواجهما بعد -خطوبة- خمسة شهور من السعادة المقنّعة ،التي ما لبثت أن نزعت قناعها بارزةً أنيابها محوّلة حياة الزوجين الحالمين إلى جحيم بعد فترة وجيزة من الزواج الذي استمر حوالي سنتين رزقا خلاله بابنهما أحمد، ولما ضاقت ذرعاً ولم تعد تحتمل هذه “العيشة” قررت الانفصال لتعود من جديد لحزنها وكآبتها.
لم يمض على طلاق ميرا أربعة شهور حتى دخل حياتها “فارس” شاب وسيم وجد فيها حلم حياته، فهي (بزعمه) -المرأة الخارجة من تجربتين فاشلتين- حتماً ستسعى لانجاح هذا الزواج، بينما نظرت ميرا إليه على أنه الفارس الذي سيحملها من وادي اليأس والإخفاق ،الى أفق السعادة الرحب واللا متناهي. لكن هذه المرة كانت هناك عراقيل لم تكن في الحسبان، فأهل العاشقَين رفضوا الفكرة تماماً، من جهته والد العروس قال: “لقد استعجلتِ كثيراً في المرّتين السابقتين ،وكانت النتيجة ندم وفشل وابناء مشتتين، أما الآن فلن أسمح لك بتكرار الخطأ”. أمّا والد العريس فقال: “ولم تتزوّج من امرأة مطلّقة؟ هل بك عيب ما؟ هل أنت مجنون؟ لا… ومطلقة مرتين…” وكان جواب الحبيبَين: “أنا أحبه/ها”.
وفعلاً تزوج ميرا وفارس على الرغم من رفض أهلهما (خطيفة)، ورزقا بطفلين حسن وهناء …ومرّت حياتهما بالكثير من العوائق بسبب الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به البلد ،وارتفاع الأسعار وزيادة المستحقّات ما اضطر الرجل الى العمل دوامين .الامر الذي انعكس سلباً على حياته الزوجية والاجتماعية وقد بدأت ميرا تشعر بالملل والإهمال نتيجة ذلك. “هل هذا هو الرجل الذي وعدني أن يسعدني؟ أين هي السعادة؟ بدأت أكره كل شيء”… وذات يوم صرخت في وجه زوجها طالبة الطلاق: “فارس طلّقني… كرهت حياتي معك”.
حاول فارس جاهداً ثنيها عن قرارها، وحاولت أنا عدة مرّات دون جدوى معلّلة السبب: لماذا تريدون مني أن أعيش معه على الرغم مني ؟ أريد أن أكون سعيدة… لم أجد سعادتي معه…
وقع الطلاق وحصلت ميرا على “حريتها” مجدداً ولكن المصيبة لم تنته عند هذا الحد ،فميرا اليوم تتحضّر لعلاقة جديدة تبحث خلالها عن سعادتها التي لن تجدها ..متجاهلة أنها بذلك تقضي على حياة أطفال أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا من أم غارقة في دوامة الحياة.
فسعاده الأم “الحقيقيّة” تكمن في التضحيات الجسام التي تبذلها في سبيل رعاية أطفالها ،ومدّهم بالعطف والحنان فضلاً عن ان ترى أولادها يكبرون ويشبّون أمام عينيها وتزداد سعادتها كلما ازداد نجاحهم وتفوّقهم وتألّقهم في المجتمع. وهو ما تعتبره من أهم انجازاتها.
ولعلّ أكبر خطر يهدّد الأطفال هو حرمانهم من نعمة الأمومة ،ومن حنان الأم وهو ما يؤدّي بالطفل إلى مشاكل نفسيّة واجتماعيّة يستحيل معالجتها او تعويضها فضلاً عن انعكاساتها السلبية على المجتمع.
ولذلك فإن العناية الإلهية اقتضت أن يتكامل الأبوان لتكوين أسرة صحيّة متماسكة متفاهمة مستقرّة ،تحضن الأطفال وتحصّنهم وتحميهم من آفات المجتمع.
فالطفل السوي يحتاج في بناء شخصيته إلى تربية ورعاية أبويه مجتمعين تحت سقف الأسرة الهادئة الهانئة الآمنة ،بعيداً عن المشاكل التي لا تجلب إلّا الدمار للأسرة والعائلة والأطفال.
واقعاً ميرا لم تبحث عن السعادة بل عن الرغبة والنشوة ظناً منها بان سعادتها تكمن في رغبتها ونشوتها والعكس صحيح فالسعاده قد توصلك الى الرغبة والنشوة اما الرغبة والنشوة فلن يوصلاك إلى السعادة.
هناك فرق بين السعادة والرغبة ،فالسعادة قد تتضمّن الرغبة أما الرغبة فمستحيل ان تحمل في طياتها السعادة ،لأنها تنطلق من مبدأ الأنا والأنانية، حيث يبحث الإنسان فيهما عن نفسه فقط ،بينما السعادة الحقيقية تكمن في تكامله مع محيطه المجتمعي والأسري.


