التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا يشبه واقع المسلمين أيام الحروب الصليبية تشتت داخلي مع اختراق خارجي ، فالحملة الصليبية الجديدة الممثلة بإسرائيل يدعمها الغرب الأوروبي ثم غرب الغرب الأميركي تعتبر حرب صليبية جديدة ، فالعلاقة بين السنة والشيعة وصفها الرئيس أحمد الشرع أنها ثأر ايران من أهل الشام وردها الى الأحداث التاريخية التي تعود الى 1400 عام وكيف نقرأ كلام أحمد الشرع وهذه الثأرية التي تحدث عنها .
وفي الواقع فإن أحمد الشرع لم يتحدث حديث طالبي الثأر ، وإنما تكلم حديث من يريد أن يتخلص من هذا الثأر ، فأحمد الشرع كما يراه المراقبون سياسي ذكي فهو لا يريد أن يخلط بين مرحلة الدولة ومرحلة الثورة وهو يعرف أن إنقاذ المستقبل أهم من المحاسبة على الماضي ، ويعرف أن فترة الثورة والمواجهة العسكرية والتعبئة ، وأننأ،أ،أ خطابها الذي يناسبها انتهى وجاء فترة الدولة وجمع الكلمة وإدارة المجتمع خصوصا في مجتمع فسيفسائي مثل المجتمع السوري ، طبعا هذا يحتاج الى خطاب آخر .
وفي الواقع فإن الرئيس أحمد الشرع لا يخلط بين الأمرين فعندما وصل الى السلطة بدأ يتحدث كرجل دولة ، وإذا انطلقنا من منظور تاريخي … ونستذكر الهجوم الأميركي على العراق وتفجر المذابح الطائفية بين السنة والشيعة هناك ، ونكتب شيء في التاريخ يكون له الدلالة وفيه الإجابة على بعض الأسئلة الحية في الزمن الحاضر ، وأثر الحروب الصليبية على العلاقات الشيعية السنية وهي دراسة لمسار معقد جداً …. صراع بين المسلمين والمسيحيين في الحروب الصليبية وتأثير هذا الصراع على الصراع داخل الأمة الإسلامية نفسها ، وهو الصراع السني الشيعي وذلك لفهم الصراع الراهن وتحديد جذور هذا الصراع الطائفي وفي الواقع فإن التصورات السائدة لا تعكس بالضرورة الحقائق التاريخية .
هناك مادة تدرس في الجامعات تحت عنوان التاريخ والذاكرة وهي محاولة تبيّن لنا الفرق بين التاريخ والذاكرة ، فالتاريخ هو حدث في الماضي ، أما الذاكرة فهو ما نستبقيه نحن استبقاءً انتقائياً من ذلك الماضي ونحن طبعاً لا نحافظ على الماضي كما هو وإنما نأخذ منه قبسات ، وأحيانا بطريقة انتقائية فهناك دائماً فجوة بين الذاكرة والتاريخ فذاكرة المسلمين اليوم عن العلاقات السنية الشيعية طيلة التاريخ الإسلامي هي ذاكرة انتقائية فيها مشاكل كبيرة ، إذا قارناها بالحقائق التاريخية الصلبة التي نستخلصها من المصادر الأولى المعاصرة للحوادث التي جرت بين السنة والشيعة ، وعلى كل الأحوال فالتاريخ الإسلامي ليس تاريخ صراع بين السنة والشيعة وأن غالبية مراحل التاريخ الإسلامي لم تكن صراع .
بل كانت في غالبيتها مراحل تعايش وتداخل اجتماعي وسياسي وشعور بمصير مشترك ، تداخل اجتماعي وثقافي بينهم حتى أن علماء يدرسون على بعضهم سنة وشيعة ويأخذون إجازات عن بعضهم البعض ، حتى أننا نجد علماء شيعة يترجم لهم كتب سنة على أنهم سنة وعلماء سنة يترجم لهم شيعة على أنهم شيعة ، لأنه كان هناك مساحة للتداخل وأغلب مراحل التاريخ الإسلامي كان فيها تداخل خصوصا في الدول طويلة العمر ، مثل الدولة العباسية والدولة العثمانية فالدول العباسية عمرها 500 عام والدولة العثمانية عمرها 600 عام ، وهاتان الدولتان تغطيان أغلب مراحل التاريخ الإسلامي فكان فيهما تداخل وتعايش سني شيعي وما وجدت القطيعة إلا في محطات محددة بأربع محطات من بداية تاريخ الإسلام الى اليوم وهي :
أول قطيعة بين السنة والشيعة : هي القطيعة التي حدثت في القيروان بين الفاطميين حيث وقعت مصادمات ومذابح متبادلة شنيعة بين الطرفين ، وهذا لا يعني أن تاريخ الدولة الفاطمية وعلاقاتها دائما كانت صراعية مع السنة وإنما بعد أن انتقلت الى مصر بدأت تتعايش بشكل أفضل مع السنة ، لأنه أصبحت في بحر من أهل السنة وكانت أقلية حاكمة يحيط فيها بحر من السنة يعني لم تستطع أن تخترق المجتمع بمعنى الكلمة .
القطيعة الثانية : هي القطيعة التي حصلت بين السنة في بغداد والحنابلة خلال فترة الدولة البويهية في القرن الرابع الهجري الحادي عشر للميلاد حكمت تقريبا 105 سنوات ، وكانت هذه الفترة كلها صدامات يومية تقريبا في بغداد بين الحنابلة من أهل السنة والشيعة الإمامية ، وخصوصا حي باب البصرة الحنبلي وحي الكرخ الشيعي الامامي في بغداد ، والكتب والمصادر المعاصرة في تلك الفترة مليئة بالمصادمات .
القطيعة الثالثة : هي الحرب بين العثمانيين والصفويين عندما نشأت الدولة الصفوية في القرن التاسع الهجري بداية السادس عشر الميلادي اصطدمت بالدولة العثمانية في العراق وشمال الشام وشرق الأناضول ، فوقعت بينهم حروب طاحنة أشهرها معركة شالي دران الذي انتصر فيها العثمانيون الى أن دخلوا عاصمة الدولة الصفوية ، وأيضا في إحدى المرات أسر فيها الصفويين السلطان بايزيد ومات وهو أسير عند الصفويين ، وقد وقعت بينهم حروب طاحنة لكن بعد ذلك اصطلحوا ووقعوا اتفاقية تسمى اتفاقية قصر الشيرين ، وتعايشت الدولتان فيما بعد بل الغريب أنه الى الآن الحدود بين تركيا وايران هي حدود اتفاقية قصر الشيرين عام 1639 يعني منذ أربعة قرون .
القطيعة الرابعة : هي التي نعيشها اليوم وهي التي بدأت بالثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وهي أسوأ القطائع الأربع ، ولكن بعض المؤرخين وبينهم هشام جعيط ومحمد عابد الجابري درسوا موضوع التفرق والفتن ، وتحدثوا على أن المشكلة هذه بين السنة والشيعة يعود أساسها الى جوهر الخلاف وهو أن مسألة السلطة في العالم الإسلامي أو في المفهوم الإسلامي لم تحل ، وأن ما جرى في سقيفة بني ساعدة ما زال معلقا الى اليوم ، وحقيقة أن هذا الخلاف ليس فكرة جديدة ولو أن أحداً قرأ كتاب الملل والنحل للشهرستاني وهو من علماء القرن السادس الهجري ، في بداية الكتاب يقول : ” أول خلاف في الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ” ، فهو يعتبر أن هذا أول خلاف في حياة الأمة ومقتل المسلمين وأنهم سفكوا دماء بعضهم أكثر مما فعلوا في موضوع الشرعية السياسية وصراع الشرعية السياسية .
يتبع في الجزء الثاني


