من العبر في مجريات صلح الحديبية ،أنك حتى لو كنت منتصراً، لا ترفع الشعارات التي تفرّق ولا تجمع… هكذا هو الحسّ السليم في المجتمعات الإنسانية، وخصوصا في المجتمعات المتعددة الأديان والأعراق، وهذا ما طبقه نبي الإسلام وكتبه الإمام عليّ حين صياغة اتفاقية الحديبية مع مشركي قريش :
بعد أن اتفق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على بنود الصلح مع قريش ،كان لا بد لها أن توثق وتسجل في صحيفة يوقع عليها الطرفان، ويعترف بها في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ الرسول الجلوس مع سهيل بن عمرو لكتابة الصحيفة، وعهد الى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لكتابتها :
فقال النبي: “اكتب بإسم الله الرحمان الرحيم”، فوقف سهيل واعترض، قائلاً : “ما الرحمان ؟ فو الله ما ندري ما هو ؟ اكتب: باسمك اللهم”، فوافق النبي على ذلك ومحا الإمام علي البسملة وكتب: “باسمك اللهم”، ثم قال النبي :”هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله” ولم يكمل الإمام علي كتابتها حتى وقف سهيل مرة أخرى، وقال: “لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله” فأمر النبي علياً أن يمسح كلمة “رسول الله” ويكتب: “هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله”، ولكن الإمام علي امتنع وقال: لا أستطيع أن أمسح كلمة “رسول الله” فقال له النبي : “أرني مكانها”، فأشار له الإمام علي على مكان الكلمة، فمحاها النبي بنفسه.
فائدة مجريات صياغة معاهدة الحديبية ان نتعلم المرونة في اقوالنا وأفعالنا وشعاراتنا، وأن نتنازل عن أشياء لا تقدم ولا تؤخر، نحن نحتاج إلى أن نفهم متى نتشدد ومتى نتساهل… هذا موقفنا مع الأعداء، فكيف هو موقفنا مع شركائنا في الوطن الذي ننتمي اليه جميعنا ؟


