الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
17°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

اعتبروا بالقرون الماضية

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} سورة القصص.
لا ريب أنه ينبغي للعاقل أن يشكر الله تعالى على نعمه الكثيرة مطلقًا ونعني بقولنا مطلقًا في كل حال والمعنى أن يشكر الله الرازق في حال الصحة وفي حال المرض وفي السرّاء والضراء والسر والعلن والشدة والرّخاء وفي الحزن والفرح وأن لا تحمله النعم على الاغترار والعصيان والتكبُّر فإن الذي أنعم عليك وهو الله عز وجلّ قادرٌ أن يُذهب عنك تلك النعم فاللبيب لا يغتر بقوته ولا بماله ولا بالممالك ولا الممتلكات ولا بكل مغريات الحياة الدنيا ولا يتشاغل بالنعم عن المنعم بل يتذكر دومًا ضعفَه وقدرة الله تعالى عليه فلا يبطر ولا يكفر ولا يُقصِّر في طاعة الخالق العظيم ويراقب نفسه فيحملها على الاستقامة ولا ينحرف عن سبل السلام ويجتهد دومًا في رضا مالك الملك رب العالمين الفعَّال لما يريد وبالنظر في الآية أعلاه جديرٌ بنا أن نتأمل بتمعّنٍ مضمونها ونعتبر جدًا بما يُستفاد منها وما تدل عليه فنقول:
قوله تعالى “وكم أهلكنا من قريةٍ” معناه: كم أهلكنا من أهل قرية فقد أهلك الله تعالى أممًا وخلقًا كثيرًا فيما مضى وكم بادت بين طيَّات الزمان شعوبٌ وقبائل كانوا أهل قوةٍ وبأسٍ شديدٍ وإن الناظر في القرآن الكريم والسنة الشريفة وكتب السِيَر والتاريخ يدرك هذه الحقيقة الجلية قال تعالى:{وكم أهلكنا من القرون من بعد نوحٍ وكفى بربك بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا} سورة الإسراء. وقال تعالى عن قارون:{أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعًا} سورة القصص. فمهما طغى من طغى وتكبَّر وتجبَّر فإنه لن يُعجِز الله شيئًا.
وقوله تعالى:”بطرت معيشتها” أي بطرت في معيشتها والبَطَر الطغيان في النعمة وهو استعمالها فيما يُسخط الله تعالى
أي وكثيرٌ من أهلِ قريةٍ كانوا في حال الأمنِ ورَغَد العيشِ والدَّعةِ حتَّى بطروا فدمّرهم الله تعالى
قال ابن الجوزي في “زاد المسير” “قال عطاء:”عاشوا في البَطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام” وكم من بشرٍ اليوم كفروا بالله ورسوله وحرموا الفقراء والمساكين حقوقهم وكانوا من حيث يدرون أو لا يدرون عونًا للشيطان على إخوانهم على عكس ما أمر به ربنا بقوله:{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} سورة المائدة.
وفي الآية أول المقال تَخْوِيفٌ من الله الجبَّار لكفار قريشٍ الذين كذَّبوا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مع ما سبق لهم من معرفتهم صدقه وأمانته مِنْ سُوءِ العاقبة أن تكون كعَاقِبَةِ قَوْمٍ كَانُوا فِي مِثْلِ حَالِهِمْ يرقُدُون فِي ظِلَالِ الْأَمْنِ فقابلوا النعمة بالبطر والكفر فخلت مساكنهم منهم فأهلكهم الله فما الذي يحمل كفار قريشٍ إذًا على التكذيب والضلال وقد جعل الله لهم عقولًا لو تدبروا بها الحق وأذعنوا له فدخلوا في دين الإسلام فعبدوا الله الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمانٌ وحده ولم يُشركوا به شيئًا وآمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم لكان خيرًا لهم
وهذ التخويف وإن كان لكفار قريشٍ لكنه يصلح أن يُخوَّف به كل جبَّار عنيدٍ وما أكثرهم في زماننا! فمنهم من اغتر بكثرة ما جمع ومنهم من اغتر بسطوته وقوته ولكنَّ ربك لبالمرصاد.
ومن كان ذا قلبٍ واعٍ فليتَّعظ بما حوله وليعتبر وعن مثل فعل وقول الكافرين فلينزجر، ولكن كثيرًا من الناس كما وصفَ ربنا بقوله:{ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يُبصرون بها ولم ءاذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ أولئك هم الغافلون} سورة الأعراف.
وقوله تعالى:”فَتِلْكَ مساكنهم” أي منازلهم التي كانوا فيها باقية الآثار يشاهدها الناس في الأسفار كبلاد ثمود وقوم شعيب وغيرهم.
وقوله عزَّ وجل:”لَمْ تُسكن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً” أي قليلًا من السكنى أي لم يسكنها إلا المسافر وعابر الطريق يوماً أو ساعةً وكم من أناسٍ اليوم ينظرون ذلك فلا يعتبرون ويغرقون في لهوٍ ولعبٍ وغفلةٍ
ولكن إذا مات الفؤاد فبماذا يعتبر البصر وإذا فسد القلب فسد الجسد كله
قال تعالى:{أفلم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو ءآذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} سورة الحج.
وعن عبد الله بن عمرَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لأصْحَابِهِ (يعْني لَمَّا وَصَلُوا الحِجْر دِيَارَ ثَمُودَ) “لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ” متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالحِجْرِ (ديار ثمود) قَالَ: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أصَابَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ” ثُمَّ قَنَّع (أي ألقى عليه القناع) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَأسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أجَازَ (قطع) الوَادِي”
والحِجٌر ديار ثمود قوم نبي الله صالح عليه السلام وهي فيما بين المدينة المنوّرة وبلاد الشام وقد مرّوا بها حين توجَّهوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك والنهي الوارد في الحديث للكراهة لا للتحريم
وقوله “لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين” أي على منازلهم أو على قبورهم وقوله “إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم” أي لا تدخلوا على أي حالٍ إلا حال بكائكم لأنها مواقع سخطٍ وعذابٍ وقوله “لا يصيبكم ما أصابهم” معناه لئلا يصيبكم مثل ما أصابهم. “وقنَّع رأسه” معناه ألقى عليه القِناع أي واستمر كذلك حتى جاز أي قطع الوادي.
وقوله جلَّ جلاله “وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين” أي لتلك المساكن أي لا يملك التصرف فيها إلا الله تعالى فهو المالك لكل شىءٍ على الحقيقة ولا يكون إلا ما أراد تبارك وتعالى.
ومن أيقن بهذا فليخضع لله فكم من أقوام وملوك طغوا وبغوا فأهلكهم الله فذهبت أعيانهم وبقيت آثارهم، شيَّدوا القصور وسكنوا القبور، وتطالوا في البنيان فأكلتهم الديدان، فطوبى بمن اعتبر بغيره قبل أن يكون عبرةً لغيره. والحمد لله أولًا وآخرًا

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...